الدكتور ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز : يمين الله

الخميس 20-09-2018 20:39

الدكتور ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز :  يمين الله

كتب

لماذا اختار الله الجانب الأيمن من جبل الطور مكانا لمخاطبة موسي [مريم:٥٢] و خاصة في سيناء التي تمثل بدورها الجانب” الأيمن” من مصر؟ و بالنسبة لمريم:لماذا” انتبذت من أهلها مكانا شرقيا”[مريم:١٦] ؟ إن ما يجمع هذين السؤالين هو أنهما يدلان علي تفضيل الله للجانب الأيمن من كل شئ علي الأيسر،و إذا أدركنا أن جهة الشرق بالنسبة لمريم تمثل الشطر الأيمن من الكرة الأرضية في اتجاه نظرنا نحو الشمال فإننا سندرك الأهمية الدينية لهذا التحديد فيما يتعلق بموسي مع تكرار وروده في ثلاث آيات ،و خاصة الآية (٣٠ ) من “سورة القصص” التي تقرر أنه “نودي من شاطئ الوادي الأيمن“. و يمكن تفسير اهتمام مريم بالاعتكاف في المكان الشرقي بأنه كان اتجاه قبلة الصلاة آنذاك، مع الاستبعاد التام لأي احتمال تأثرها بعبادة الشمس التي كانت منتشرة في مصر في ذلك العصر،وخاصة أن القرآن لم يظهر أدني حساسية لاهتمامها بناحية الشرق بل اهتم بذكر هذا الوصف كما ورد بالآية. و يتضح التعظيم الإلهي للجانب الأيمن بدرجة أعلي – برغم كونه مالكا لجميع الاتجاهات .

 

و رغم وجود نسبة من الذين يستعملون يسراهم،و أيضا إذا لاحظنا عدم وجود نبي من بين مستعملي اليد اليسري:- ١إبراهيم: عندما ذهب لتحطيم تماثيل الآلهة كان فعله بيده اليمني:”فراغ عليهم ضربا باليمين”[الصافات:٩٣ ] ٢موسي: عندما خاطبه الله قائلا:” و ما تلك بيمينك يا موسي”[طه:١٧] ٣محمد :إذ خاطبه قائلا:”و ما كنت تتلو من قبله من كتاب و لا تخطه بيمينك”[العنكبوت: [٤٨] و لم يقتصر الأمر علي الأنبياء بل إن الله نفسه:”السماوات مطويات بيمينه”[الزمر:٦٧]، إلي درجة أن الرسول ذهب إلي القول” إن *كلتا يديه يمين”مدافعا عن الله ضد اتهام اليهود له بالبخل ،و قد بقيت هذه الرواية مثار جدال حول طبيعة الله و صفاته ،و كيف تكون يداه الاثنتان في جهة واحدة ! و لكن المجادلين لا يعلمون أنه يعني كرمه و غناه. و قد بلغ غلو بعض المفسرين – بهدف تنزيه الله عن” الشمال” – إلي حد طعنهم علي رواية الحديث الوارد في صحيح مسلم ،و الذي يقول “إن الله يطوي السماوات يوم القيامة بيده اليمني،ثم يطوي الأرضين بشماله”.و قالوا إن الصواب هو أنه يطويها بيده” الأخري”, تجنبا منهم لذكر كلمة” شماله” ! و لننظر كم هي الآيات الدالة علي تصنيف الناس إلي أصحاب”اليمين” وأصحاب” الشمال” طبقا لدرجة تقواهم،فأصحاب الشمال هم “أصحاب المشأمة” ،أي الشر و الجحيم ،بعكس الآخرين الذين هم أصحاب اليمن(بضم الياء) و الإحسان و النعيم.و مع هذا التعظيم لجهة اليمين فلم يصل عدم احترامها في الإسلام إلي حد التحريم، ولكن تبطل العبادات في الحالات التي يخالف فيها هذا الترتيب (يمين- شمال). و مع ذلك يظل هناك سؤال يطرح نفسه:لماذا يجعل الله هذه القيمة الدينية و الأخلاقية لأشياء محرومة من الإرادة و محرومة بالتالي من الفعل الذي يستوجب القيمة؟ و لكن الله خالق الحمير هو أيضا الذي أنكر عليها ما أنكره في القرآن. و يعتقد بعض النقاد بأن الأسطورة هي أساس هذا التصنيف بزعم أن مملكة الله تحتل الجانب الأيمن من العالم،و أن مملكة الشيطان تحتل الجانب الأيسر،و بذلك كان الشيطان – بناء علي هذه الأسطورة – أول يساري في العالم،و سوف ينقسم البشر فيما بعد إلي يمينيين، أي محافظين علي تقاليدهم أيا كان نوعها و إلي يساريين منشقين أحفاد الشياطين! و بذلك أصبحت ثنائية اليمين و اليسار دالة علي الخير و الشر ،و القوة و الضعف و الصواب و الخطأ،و الظلم و العدل…،علي كل المستويات؛فيكفي أن تتأمل معانيهما بالانجليزية و الفرنسية:فكلمتا Right و Droitتعنيان” الصواب” و “الحق”,” القوة” …عكس معاني الشمالLeft,Gaushe إذ تدلان علي الضعف و الشر…و معلوم أن هذه المعاني موروثة عن اللاتينية،لغة الحضارة الرومانية المهيمنةمع الثقافة الفارسية – علي العالم القديم. و من جانبها فقد صدقت الكتب المقدسة علي هذه الثنائية كل التصديق :فمثلا في سفر الخروج[٥-١٢]” تمد يمينك فتبتلعهم الأرض” و الإشارة هنا إلي الله.و في إنجيل متي[٢٢-٤٤] يخاطب الله المسيح قائلا”اجلس عن يميني حتي أضع أعداءك موطئا لقدميك”.و الملائكة أيضا تفضل جهة اليمين، فقد ورد في إنجيل لوقا[١-١١] “فظهر له ملاك الرب واقفا عن يمين مذبح البخور“.

 

و إذا استبعدنا التفاسير الأسطورية لهذه الظاهرة الثقافية السائدة في العالم في كل العصور فإننا نتساءل:هل مصدرها التفوق العضلي الظاهر للأطراف اليمني علي اليسري؟ كلا لأنه ناشئ عن كثرة الاستعمال،بدليل عدم وجود هذا التفوق في حالتي النظر و السمع.إذن ما الأساس العلمي لأولوية الأطراف اليمني علي اليسري حتي في الحيوانات-عندما تبدأ في السير مثلا؟سيقول أنصار نظرية التطور إن الإنسان ورثها عن الحيوان الذي ورثها بدوره عن الحيوانات الأولية. ولكن المشكلة التي لا تقبل حلا حتي الآن هي:إذا كانت الحياة بدأت بنوع من الخلايا ، و إذا كانت هذه الخلايا بلا شريط وراثي مسئول بعد ذلك عن تخزين الصفات الوراثية المكتسبة و نقلها للأجيال التالية، و إذا لم تكن لهذه الخلايا أطراف تستعملها .

 

فمن أين جاءت فكرة تفضيل أحد الطرفين علي الآخر في الفعل و الحركة ،حتي في الأشخاص الذين يستعملون كلتا يديهم و قدميهم؟ و من الممكن أن تكون الإجابة الأسطورية مستمدة من الواقع الفعلي كما هو مشاهد في الحياة اليومية.و بذلك يجب استبعادها ،و خاصة مع علمنا بأن كل الحركات الكونية يمينية الاتجاه-بعكس اتجاه عقارب الساعة- بدءا من حركة الالكترونات مرورا بالكواكب و انتهاء بحركة السائل الخلوي.فهل تعلمتها الحيوانات من غيرها أو من ملاحظتها لحركات الأشياء ، أم ورثتها الحياة من المادة باعتبارها هي الأصل كما يعتقد علماء الأحياء ! و الآن: فإن لك أن تقول إنها مجرد مصادفة،أو تعتقد بوجود نظام عاقل شامل واحد للأشياء! و في هذه الحالة فإن السؤال عن لماذا أضاف الله لها قيمة يصبح هو نفسه بلا قيمة ! لأن الإجابة قد تكون هي : كيلا يصبح الإنسان كائنا ناشزاً !

 

 

 

التعليقات مغلقة.

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على موقع الانباء نيوز ، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من الانباء نيوز

الأكثر قراءة

ads

الأكثر تعليقاً

الانباء نيوز, الانباء, نيوز, موقع الانباء نيوز , الأنباء نيوز , جريدة الانباء نيوز , احمد فهمي الصحفي , الصحفي احمد فهمي