د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : محمود درويش .. وهوية الأرض

لعل محمود درويش بتاريخه الشعري الزاخر؛ يُعد من أكبر المبدعين الفلسطينيين تأكيدًا على جماليات القصيدة وعنفوان المضمون، عبر تناغم اللحظات المختلفة من الواقع العربي المفعم بأسئلة متلاحقة عن الوجود الفلسطيني وهوية الأرض .
فكان العاشق لوطنه الذي آثر الصمت خارج مضامين القصيدة، وكأن الكلام نفد ولم يبق له سوى الالتزام بتأمل الواقع ورصده، وهو الواقع الأليم الذي يوحي بعبثية المشهد ويقين السؤال المفعم بإدانة التخاذل العالمي ـ والعربي بوجهٍ خاص ـ والتباس المواقف، والعدو على مرمى حجر يشرب الشاي في الكوخ العربي ويطأ بقدميه بكارة العشب المبتل . فآثر الإنسان فيه طوال رحلة عمره القصير أن يصمت؛ ويقوم الشاعر بداخله بالغناء بكل معاني الجمال والحب والثورة .
وعندما تُرجمت أعماله إلى لغات عالمية عدة كان وقعها على أصحاب هذه اللغات وكأنها من إبداع شعرائهم، لأن الحس الإنساني هو الذي يعلو على القضية، ومن هنا تصلح أشعار “درويش” لكل زمانٍ ومكان . وقال عنه أحد الشعراء الكبارمن لبنان :”مات إذًا رئيس جمهورية فلسطين، لكن علمها ما زال مرفوعًا في شعره، وأنا أعتبر محمود درويش ثمينًا، وأكاد أن أقول بل أثمن من فلسطين، مثلما هو المتنبي أهم من بلاد العرب، ومثلما هو شكسبير أهم من إنكلترا” !! هكذا كان ذاك الشاعر في نظر المبدعين أقرانه من مجايليه .
وهو الذي طحنته سنوات الغُربة عن الوطن/الأم؛ عندما خرج بعد تضييق الخناق عليه ، ففي إسرائيل أدركوا نبوغه واهتمامه بالقضية الوطنية مبكرًا منذ ستينيات القرن الماضي وقبل أن يغادر مقر إقامته داخل إسرائيل 48، إذ كان يوصف في الساحة السياسية والأدبية الفلسطينية بـ “شاعر القومية العربية”، وتنبأوا بوصوله إلى أعلى المراتب الأدبية عربيًا، ومن هنا بدأت مختلف أشكال المضايقات المادية والنفسية له مما جعله يلجأ إلى الهروب إلى خارج إسرائيل ليواصل نضاله المعروف لنا جميعًا منذ وطأت قدماه أرض مصر بعد مغادرته أرض فلسطين، لتحتضنه إذاعة صوت العرب ويُعين في منصب شرفي بها، ويحتدم الشجن على سن قلمه فيقول : “يحكون في بلادنا/يحكون في شجن/عن صاحبي الذي مضى/و عاد في كفن” !
ويعود هذا الشجن المقيم في وجدانه منذ أيام الطفولة الأولى؛ إلى الإحراق الإجرامي لقريته، مخيمات اللاجئين، والمعارك الكبرى في حياته ومواجهته للموت. إنه يبقى في قلب السياسة رغمًا عنه، كما يُوضّح ذلك سفرُه إلى دياجير الموت، التي تحكي عنها قصيدته ” جدارية ” وعودته منه .. فيقول : “وكأنني قد متُّ قبل الآن/أَعرفُ هذه الرؤيا، وأَعرفُ أَنني أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرفُ /رُبَّما ما زلتُ حيًا في مكانٍ ما، وأَعرفُ ما أُريدُ / سأصيرُ يوماً ما أُريدُ/سأَصيرُ يومًا فكرةً / لا سَيْفَ يحملُها إلى الأرضِ اليبابِ ، ولا كتابَ/كأنَّها مَطَرٌ على جَبَلٍ تَصَدَّعَ من تَفَتُّح عُشْبَةٍ /لا القُوَّةُ انتصرتْ/ولا العَدْلُ الشريدُ/سأَصير يومًا ما أُريدُ ” وهنا تتجلى إرادته القوية في وجوده الفاعل في شقوق الحياة ودهاليزها ومساربها الوعرة .
لقد كان درويش منخرطًا، منذ البداية، في السياسة على نحو يحول دون تخلصه منها، ويمكن القول إن السياسة اقتحمتْ درويش في عزِّ طفولته؛ وعن ذلك يقول بلسانه : “الرصاص الذي انطلق في تلك الليلة من صيف 1948 في سماء قرية هادئة ( البروة ) لم يميز بين أحد، ورأيت نفسي، وكان عمري يومها ست سنوات، أعدو في اتجاه أحراش الزيتون السوداء، فالجبال الوعرة مشيا على الأقدام حينًا وزحفًا على البطون حينًا، وبعد ليلة دامية مليئة بالذعر والجوع والعطش وجدنا أنفسنا في بلد أسمه : لبنان”؛ وتبدأ من هنا رحلته في بلاد الغُربة والاغتراب القسري؛ ويسير في بلاد الله ينشد الشعر لخلق الله عن بلده المسلوب؛ وتقاعس بني جلدته عن نصرته ونصرة قضيته التي تاهت في دياجير الظلام العربي وضاعت معالمها . ولكن عالم السياسة لم ينسه نبضات القلب الذي يموج بكل المشاعرالإنسانية الرهيفة؛ فجاءت إبداعاته مضفورة بالرمز للحبيبة/الوطن؛ والوطن/الحبيبة ؛ لكنه أبدًا لم يبتعد عن الحنين للأرض رمز الخصب والنماء .. فيقول : كلّ البلاد مرايا/و كل المرايا حجر/لماذا نحاول هذا السفر ؟/تكونين أقرب من شفتيّ/و أبعد من قبلة لا تصل/كأنّي أحبّك/كان الرحيل يطاردني في شوارع جسمك/و كان الرحيل يحاصرني في أزقّة جسمك/فأترك صمتي على شفتيك/و أترك صوتي على درج المشنقة/كأنّي أحبّك !
ولكن برغم التراث الشعري الذي تركه هذا الشاعر في حب الوطن؛ لم يسلم من بعض الهجوم عليه والتشكيك في شاعريته المرهفة؛ خاصة وقد عاصره شعراء كبارـ ربما أكثر شاعرية منه ـ ؛ لكنه استأثر بالشهرة لارتباط شعره بمحنة الاحتلال والتزامه بقضايا الإنسان والحرية في كل مكان، فاستحق بشعره الذي يتحدث فيه عن الوطن، والمنفى، والغربة، والثورة، والمقاومة، أن يلقب بشاعر الأرض المحتلة . لقد عاش هذا الشاعرعلى أمل تحقيق”الحلم” الذي وهبه كل إبداعاته الشعرية ، ومات وتحت أهداب عينيه بقايا من هذا الحلم الذي ينادي فيه كل عربي بأن يزأر ويقول : سجل أنا عربي سلبتَ كرومَ أجدادي وأرضاً كنتُ أفلحُها أنا وجميعُ أولادي ولم تتركْ لنا.. ولكلِّ أحفادي سوى هذي الصخورِ.. فهل ستأخذُها /حكومتكمْ.. كما قيلا؟ إذن سجِّل.. برأسِ الصفحةِ الأولى أنا لا أكرهُ الناسَ ولا أسطو على أحدٍ ولكنّي.. إذا ما جعتُ آكلُ لحمَ مغتصبي حذارِ.. حذارِ.. من جوعي ومن غضبي ! سلامُ إلى روحك في عليين .. نختلف أونتفق معك .. لكنك ستبقى رمزًا للصمود وحرية الإنسان .
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون





