مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : بلدنا .. الله على سحرها !

وأنا أحاول جاهدة السير في شوارع القاهرة ، لا أدري لماذا تذكرت أغنية “من فوق برج الجزيرة .. الله الله على سحرها”، وكان المطرب الذي تغنى بها في أواخر ستينيات القرن الماضي؛ يقصد سحر القاهرة في الأيام الخوالي؛ والنيل يجري مختالاً بين ربوعها العريقة، قادمًا من العمق الإفريقي؛ وهو الذي خلَّده العظيم جمال حمدان في كتابه الرائع “شخصية مصر”. هذا النيل الذي التفت حول جسده الأفعواني العديد من الأحياء السكنية المكتظة بالسكان؛ إضافة إلى كارثة العشوائيات التي قضت على كل مظاهر الآدمية الحضارية، وكان من الطبيعي أن تتفتح في طيات هذه الشبكة العنكبوتية الضخمة العديد من الشوارع والحواري والأزقة والعطوف؛ ولتتفرع إلى بقية المدن الكبري في الريف والحضر . وهكذا ظهرت الأزمة المستحكمة في شرايين العاصمة والمدن الكبرى في مصرنا المحروسة؛ وهي أزمة المرور التي ظهرت منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي؛ وازدادت تفاقمًا منذ حقبة الثمانينيات نتيجة تزايد ظاهرة الهجرة من الريف إلى القاهرة الكبرى والعاصمة الثانية الإسكندرية؛ وبقية مدن الوجهين البحري والقبلي، ولكنها ملموسة بشكل فج في القاهرة والإسكندرية، وحاولت الحكومات المتتالية وضع الحلول التي تصورت أنها ستقضي على المشكلة من جذورها؛ فتوسعت في زيادة رقعة الطرق على خريطة الجمهورية، وأضافت مئات الكيلومترات من الأسفلت، ودخلت مصر إلى عهد خطوط مترو الأنفاق ، ولكنها كانت حلولاً جزئية لم تقض على المشكلة؛ لأنه مع الزيادة الطردية المستمرة في عدد السكان؛ ومع زيادة التوسع الأفقي والرأسي؛ كانت الحلول الجزئية بمثابة المسكنات المؤقته وكأنها لم تكن، فالتوسع الأفقي في العشوائيات المحيطة بأطراف العواصم؛ والتوسع الرأسي بزيادة أعداد السيارات؛ جعل الأحوال بتعقيداتها تستمر على ماهي عليه؛ وازدادت الاختناقات المروريةوازداد ـ كنتيجة منطقية ـ إهدار الوقت والطاقة البترولية؛ نتيجة التوقف المتكرر في الإشارات، وكلاهما خسارة لاتعوض، فالوقت هو الحياة للإنسان الذي تشل حركته فيتوقف عن الإنتاج، وإهدار الملايين من الطاقة البترولية التي تضيع في تلك الاختناقات المرورية، ومعها ارتفاع نسبة التلوث بعوادم السيارات في البيئة المحيطة، أي أن الخسائر تتضاعف نتيجة عدم الدراسة العلمية الجيدة لشبكات الطرق، وضرورة العمل على رسم وإيجاد المحاور البديلة؛ للجوء إليها في حال الحوادث أوالاختناقات التي قد تحدث لأي اعتبارات أمنية أو مرورية طارئة، وهذا وارد في كافة مناحي الحياة العملية .

 

ويبدو أن القائمين على التخطيط للشوارع والميادين في العواصم الكبري فاتهم أن خريطة الشوارع تشبه الشرايين في خريطة الجسد الإنساني، فانسداد شريان واحد يؤدي إلى بطء الدورة الدموية التي تؤدي بدورها إلى الموت البطيء؛ وأن الشوارع تشبة تمامًا نظرية الأواني المستطرقة التي يعرفها تلاميذ المرحلة الابتدائية، وتوقف أحد الشوارع يعني انسداد كافة المنافذ المؤدية إلى السيولة المرورية فى كل الأنحاء، وهي ألف باء التخطيط الجيد والواعي؛ ولكن يبدو انه قد غاب عن ذهن من يقومون به، فهم يركزون على الاهتمام بالشوارع الرئيسة، دون الاهتمام بالمصادرالأصلية للمشكلة؛ وهي الشوارع الجانبية التي تعج بالباعة الجائلين لكل شيء، والمحال بإشغالاتها التي تستولي على الأرصفة بالبضائع المتراصة، ناهيك عن المطاعم التي تقوم باصطفاف المناضد والمقاعد لعابري السبيل من الجائعين ، والمقاهي والكافيتريات التي تفترش الأفاريزفي فجاجة؛ وتخرج لسانها لكل الأعراف والقوانين الإنسانية والأخلاقية، ولا تضع للقوانين الوضعية بالاً، لأن القاعدة تقول: من أمن العقاب ساءت تصرفاته وسلوكياته، فلا رادع له من أخلاقٍ ولا من قوانين ! إذن بعد كل هذا الهرج والمرج على أرصفة الشوارع؛ فلا مناص للمارة سوى اللجوء إلى نهر الشارع للسير مع كل مايأتي به من مخاطر؛ ليكونوا لقمة سائغة للسيارات ومصدرًا مستديمًا لأعمدة الصحف في صفحات الحوادث وما أكثرها وسط هذا الزحام العشوائي الرهيب .

 

ومع ازدياد هذه العشوائية، لابد لنا من سرعة إيجاد الحلول الناجزة، ورسم السياسات على المدى القصير والبعيد؛ بسرعة إزالة كافة إشغالات الطريق من كل الأنواع فورًا، وبالطرق القانونية غيرالمجحفة لحقوق من يمتلكون التراخيص الصادرة من جهات الاختصاص، وفي الأماكن التي يتم تحديدها لهم بمزاولة مهام مهنهم التي يعيشون على دخولها؛ دون اللجوء إلى التحايل على القوانين باحتلال الشوارع دون وجه حق . وضرورة إحياء مشروع قديم تم طرحه من بعض المسئولين في فترة سابقة؛ عن تخصيص يومين في الأسبوع بالتبادل لسير السيارات الخاصة ذات الأرقام الفردية والزوجية داخل العواصم من السابعة صباحًا إلى الحاية عشرة ليلاً، مع فرض ضريبة على من يريد استخدام السيارة الخاصة طوال الأسبوع .

 

وقد يكون من بوادر الحلول السعيدة فى المدى القريب؛ هو الخطوة العملاقة التي تهدف إلي إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة؛ التي تعد أحد الحلول الرئيسة والمهمة للتقليل من التلوث الهائل الخطير للقاهرة ، وطوق النجاة للخروج من الغرق في العديد من المشاكل البيئية والحياتية داخل المجتمع القاهري تحديداً، ولتحقيق الانفراجة المرجوة لسيولة وسهولة السير داخل بوتقة الأواني المستطرقة المستعصية على الحلول، ولقد بدأت البشائر لمشروع العاصمة الإدرارية الجديدة على مساحة هائلة خارج العاصمة، وسيكون لها أكبر الأثر في امتصاص الاختناقات المرورية، وتحقيق أكبر الخدمات للمواطنين، للتفرغ لزيادة القدرة الانتاجية وتوفير الوقت والجهد والطاقة .

حينئذٍ سنتغنى ببلدنا الحبيب : الله الله على سحرها !

 

أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى