د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : القرط .. بين الانتقاد وتقدير الرئيس !

استحدثت إحدى شركات الدعاية الغربية طريقة مبتكرة لجمع التبرعات من المواطنين، ونشر عدد من مستخدمي مواقع التواصل الإجتماعي فيديو يعرض فكرة تتسم بالبساطة، حيث تعتمد على عنصر الجذب البصري، وضعت فيه الشركة أجهزة في الأماكن المزدحمة تحمل صوراً لقطع خبز أو لمعتقلين مقيدين من الخلف، وفي منتصف الصورة يوجد المكان المخصص لمرور بطاقة الإئتمان الـ “فيزا كارد”، وبمجرد تمرير المواطن بطاقته فيه يتم تقطيع قطعة الخبز، أو تقطع الحبال المربوطة بيدي المعتقلين، في إشارة إلى أنك تستطيع بتبرعك أن توفر خبزاً لعائلة محتاجة أو تحرر معتقلاً بسبب ديونه أو مايسمون بالغارمين .
هذا الخبر من العالم الغربي، حيث الرفاهية وارتفاع معدلات الدخل للفرد، وبرغم هذا تلجأ منظمات المجتمع المدني هناك إلى جمع التبرعات لتمويل الحملات الانتخابية على مستوى المحليات والمحافظين حتى رئاسة الجمهورية، والقوانين تسمح بهذا طالما تحكمها وتنظمها أطر ومراقبة مالية، فمابالنا بفقراء العالم الثالث الذين يحتاجون إلى المزيد من التبرعات تحت كل المسميات، بداية من التبرع بأكياس الدم؛ وقطع الملابس المستعملة، وصولاً إلى التبرع بأحد أعضاء الجسد لمن لايملكون الثمن الباهظ لاستبدال كبد مهتريء أو كُلية أعلنت فشلها وإضرابها عن الاستمرارية في وظيفتها الحيوية !
وما حدا بي إلى العروج على تناول هذا الموضوع؛ هو الحملة القومية لجمع التبرعات المالية لصندوق “تحيا مصر” ؛ التي دعت إليها القيادة الوطنية المصرية؛ والتي أعدها ـ من وجهة نظري ـ دعوة لإحياء وتوهج جذوة النخوة والوطنية والانتماء في الروح المصرية؛ أكثر منها حاجة فعلية إلى الأموال لتغذية المشروعات العملاقة. وبرغم نجاح الحملة في توجهها القومي والوطني، خرجت علينا بعض الألسنة بالتهكم والتجريح لأهداف هذه الحملة النبيلة، وليتها معارضة إيجابية تضع البدائل والحلول للمشاكل المجتمعية الناجمة عن سنوات التجريف الماضية، ولكنها معارضة مؤدلجة ضد كل الإنجازات الوطنية التي تخدم صالح الوطن والمواطنين .
لذلك وجدت أنه من الإنصاف أن أتوقف أمام مشهد واحد من ملايين المشاهد الرائعة التي أفرزتها هذه الحملة الناجحة بكل المقاييس، معطية الدلالة على أن الدعوة إلى التكافل والتآزرمع الوطن في هذه الظروف العصيبة؛ وصلت إلى قلوب وعقول البسطاء والفقراء داخل طبقات مجتمعنا، فنرى الأنموذج الرائع المتمثل في هذه السيدة العجوز الكفيفة؛ التي لاتملك من حطام الدنيا سوى حبها القلبي لتراب الوطن و”قرطًا ذهبيًا” بسيطًا؛ تقول إنه الذكرى الباقية من رائحة الأجداد؛ تحتفظ به ليكون درعًا واقيًا ضد غوائل الزمن وثمنًا لشراء “الكفن” حين تودِّع هذه الدنيا الفانية، وبرغم هذا ـ نراها في مشهد تاريخي ـ تسارع وتذهب به لتودعه تبرعًا خالصًا لوجه الله والوطن؛ ومنحه بكل طيب الخاطر لصندوق الحملة القومية “تحيا مصر” فمصر فداها (ديشيليون حلق) على حد تعبيرها!!
والجميل أن نجد أصحاب الأقلام الصحافية المخلصة يشاركون بمقالاتهم الإيجابية، إضافة إلى المشاركة العملية من فناني الكاريكاتير؛ في سباق رائع لمساندة الحملة في مسارها؛ وظهرت المقترحات البناءة بعمل مزاد على” قرط السيدة العجوز” باعتباره رمزًا من رموز الصمود وإنكار الذات؛ والرد العملي على كل الألسنة التي خرجت للتهكم والسخرية على المتبرعين من أفراد الشعب، والتقليل والتحقير من شأن مواقفهم الإيجابية، لغرضٍ في نفس يعقوب طبعاً؛ تلك النفوس التي لاتريد الخير والطمأنينة والسلامة للوطن وقاطنيه، ووصلت الاقتراحات الجميلة إلى المناداة بإقامة (مُتحف )يحتوي على كل التبرعات العينية التي قدمت من المصريين، ليكون بمثابة ذكرى طيبة للأجيال القادمة عن تضافرالشعب وإقباله بقناعة كاملة على العمل التطوعي؛ ومساندته لتوجهات الدولة ؛ للمشاركة فى تمويل المشروعات العملاقة وإن كانت التبرعات بطبيعة الحال ليست هي كل الحل .
وبرغم رمزية الحدث؛ وتسليط الإضاءة عليه؛ ليكون مثالاً واضحًا أمام الجميع، لما قامت به هذه المتبرعة العجوز البسيطةبدافع من إحساسها الوطني الصادق؛ لم يهتزجفن للسادة أصحاب الملايين ليقدموا القدوة والمثال الذي يجب أن يُحتذى، والمفترض أن يكونوا في طليعة المشهد وفي أول قوائم المتبرعين في هذه الحملة القومية. الأمر الذي يثبت بما لايدع مجالاً للشك؛ أن الوطنية الحقة لاتعترف بالتقسيم الطبقي، لكنها تنبع من الحرص الدائم على توثيق روح الانتماء والولاء للوطن .
و مع المشهد الأثير عندي؛و الذي تزلزلت معه كل عروش الخيانة الخبيثة، وهو لحظة طبع الرئيس السيسي لتلك ” القـُبلـة” الحانية على جبين “سيدتنا العجوز”؛ وكأنها “توقيع” على ميثاق الشرف والأمانة وتعميق الالتزام بحب الوطن، والتفاني في عشقه الأبدي؛ فكان ممثلاً عن تقديره لموقفها وتقدير تسعين مليونًا في آنٍ معاً ـ باستثناء القلة المريضة ذات الأهواء المغرضة ـ ، فجاءت تلك القُبلة كالبلسم الشافي لكل جراحات الوطن، وهدهدة حانية على أكتاف المتعبين والكادحين، وردًا عمليًا على كل المشككين في نزاهة توجهات السلطة الوطنية، ورسالة صريحة وواضحة بأن الوطن لايتخلى أبدًا عن المخلصين من أبنائه الشرفاء. شكرًا فخامة الرئيس بالإنابة عن أهالي مصرنا المحروسة المدلهين في حبها ..مثلك !
د. إلهام سيف الدولة حمدان
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون







ياسيدتي الفاضلة د.إلهام سيف الدولة حمدان
نلهث خلفك في ماراثون متابعتك الجادة للأحداث ( الطازجة ) على الساحة المصرية : مجتمعيُا وسياسيًا وفنيًا ودينيُا، ونحسدك حسد المحبين على هذه الأطروحات التي تعبر بكامل الصدق عن مشاعر وأحاسيس الشارع المصري وقاع الحارة المصرية الأصيلة، التي تهب الوطن كل وأغلى ماتملك من متاع الدنيا ؛ لنصرة الوطن ومساندته في مواجهة أعداء الداخل والخارج ، ولعل مواكبة ومصادفة نشر هذاالمقال في ذكرى انتصارالعاشر من رمضان، لدلالة حقيقية على أصالة معدن الإنسان المصري ؛ الذى يمنح روحه فداء لتراب الوطن وقدسيته .
أنحني إعزازًا وتقديرُا لمتابعتك الدءوب ( الدؤوب ) لكل مايجري على الساحة المصرية لحظة بلحظة ، والتقاط قلمك الكاميرا لكل جوانب الصورة؛ حتى الجوانب المعتمة منها ؛ لتمنحيها بالاضاءة عليها أبعادًا جديدًة قد لايراها المشاهد العادي، ولكنكِ ترين بعين ثاقبة مالم نره .
وكل سنة وانتِ طيبة .. ورمضان ـ بالتأكيد ـ كريم .