مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب : المغالاة في اصطناع الأزمات

 

ظاهرة صحية بالتأكيد؛ عندما تحدث التفاعلات بين قوى متعددة داخل المجتمع؛ تعيش حالة من الصراع لفرض أفكارها وسطوتها وهمينتها بقوة الإقناع والنقاش الجاد والمجدي؛ لإثراء الساحة التي يقام على أرضيتها هذا الصراع الراقي وليس الجدل العقيم؛ فالبون شاسع وعميق بين النقاش والجدال، يستوي في هذا الساحة الاجتماعية والسياسية والدينية والفنية، بحيث لايصل هذا الصراع الفكري المحتدم إلى مواجهات قد تصل إلى حد المواجهات المسلحة، كما يحدث أمامنا الآن على اتساع رقعة الخريطة العربية والعالمية، ولكن مايهمنا في المقام الأول هو الساحة المصرية بكل تناقضاتها التي نعيشها هذه الآونة، لوجود شرذمة من معتنقي بعض الأفكار الغريبة والدخيلة على مجتمعنا؛ وتتنافى مع الطبيعة السمحة للتركيبة المصرية الأصيلة، ولا يخفى على أحد أن عناصرهذه الشرذمة يتحركون طبقًا لتوجيهات “بوصلة” خارجية تسعى إلى خلق الأزمات وافتعالها؛ لقلقلة أساس بنيان المجتمع وتقويضه، وهذا يتطلب التدخل السريع والحاسم من صناع القرار؛ باتخاذ اجراءات ومواقف وخطوات عملية؛ باستصدار قرارات جوهرية وقاطعة في بعض الأحيان؛ لقطع الطريق على المتربصين لإجهاض كل الأحلام المشروعة في غدٍ يحمل الخير والنماء، لأن تتابع الأزمات غالبُا مايهدد المصالح العليا للوطن .

 

 

وهؤلاء المتربصون لايعنيهم استتباب الأمن والسكينة في جنبات المجتمع؛ فيعملون في الخفاء والظلام على زعزعة هذا الاستقرار؛ باللجوء إلى استغلال نقص بعض المنتجات أو المحاصيل في فترات مابين الفصول ـ وهو أمر طبيعي وموسمي ـ بحسب التركيب المحصولي ومواقيته، كما نلمس في هذه الأيام من لجوء بعض التجار المغرضين إلى ( تعطيش ) الأسواق من سلعة أساسية ومهمة بالنسبة لغذاء الأسرة المصرية المتوسطة الحال وهي ( الأرز )، ليس حبًا فى الربحية فحسب، ولكن لاصطناع الأزمات الوهمية بهدف زعزعة استقرار الأسرة المصرية والمجتمع ككل وتغييب الإحساس بالأمان لديها، ويعملون بكل الأساليب الرخيصة على اتساع رقعة الخلاف والتذمر بين الطبقات الدنيا والشرائح المهمشة في المجتمع؛ بهدف افتعال أزمات ليس لها جذورمن الأساس، وهذا دأب أصحاب الأيادي الخفية التي تعبث في الظلام؛ ومن طبيعتها الخوف من نور شمس الحقيقة الساطعة في سماء الاستقرار والسلام المجتمعي: اقتصاديًا وغذائيًا وسياسيًا؛ وغايتهم التأليب والإثارة بغية تأليب الشعب على الدولة ومراكز الحكم؛ وليجلسوا بعدها في مقاعد المتفرجين والشامتين في انهيار المنظومة الاجتماعية ! والأدهى والأمرْ أنهم لايتورعون عن النفخ في نار الفتنة بين أفراد المجتمع لتتأجج وتستعر؛ وتحرق أطراف الثوب القشيب للعلاقات الإجتماعية الحميمية المتواصلة .

 

 

ولكن ليت هؤلاء الانتهازيون في استغلال بعض الأزمات الطارئة على المجتمع المصري؛ يعودون بالذاكرة إلى الماضي القريب إبان الحرب العالمية الثانية، وكيف واجهت بريطانيا وشعبها أزمة الغذاء الطاحنة، وقيام جمعية الصليب الأحمر بالانتشار في المتاجر الاستهلاكية لجمع التبرعات من المتسوقين؛ لإعادة توزيعها على أفراد الشعب البريطاني، وكان نصيب الفرد من الغذاء لايتعدى حفنة من الخبز و ( بيضة واحدة ) في الاسبوع، ناهيك عن أزمة البنزين والوقود في بيئة تعيش في أجواء مناخية تحت الصفر؛، ومع ذلك خرجت بريطانيا وشعبها من الحرب العالمية الثانية ـ رغم انكسارها ـ لتعيد للشعب الإنجليزي قوته الإنتاجية، ولتعود إلى مصاف الدول المتقدمة.

 

 

ولعلنا نتذكر كيف تمزقت ألمانيا بعد الحرب إلى أربع مناطق احتلال بريطانية، وأمريكية، وفرنسية، وسوفيتية، تعرض الألمان في شتاء 1946م ـ 1947م لموجة برد بلغت 30 درجة تحت الصفر، تسببت في كوارث إنسانية لا توصف، ولكن بعزيمة الشعب الألماني كانت السيدات ترفعن الأنقاض وتزرعن فيها الخضراوات التي تسد رمقهن، في ظرف غياب الرجال، إما أسرًا، وإما موتًا، وأطفال أوكلت إليهم أمهاتهم مهمة الوقوف أمام مناجم الفحم، لسرقة ما تيسر من حمولتها منه للتدفئة ، فكيف لانعطي المثال والقدوة في مواجهة الأزمات ؟

 

 

ولعل الصور التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام؛ لتعقد المقارنة بين مايحدث في العواصم العربية من حولنا، وبين مظاهر الفرحة والبهجة في احتفالات المصريين بكل المناسبات ؛ وليبرهنوا للعالم أجمع أن الشعب المصري بجيناته الأصيلة؛ يعشق الحياة مهما واجه من مصاعب وأزمات؛ يستوي فيها الأزمات الطارئة الحقيقية، والأزمات المصطنعة بفعل أهل الشر ممن لايريدون الحياة الكريمة لمصرنا المحروسة. فالشعب المصري يمر فوق المحن بكل الإيمان بعدالة قضيته فى الحرية والعيش الكريم؛ وهذا الإيمان لم يأت وليد الصدفة؛ وإنما ينبع من إيمانه بقيادته الوطنية؛ التى تسعي للوصول به إلى مصاف الدول المتقدمة؛ واستنهاضًا واستنباتًا جديدًا لجذور لحضارته العريقة الممتدة في أعماق التاريخ .

 

 

هذه رسالة إلى كل المتربصين والعملاء؛ الذين يستهويهم اصطناع الأزمات الوهمية : بالرؤية الثاقبة والواعية كشف الشعب المصري ستركم وفضح ألاعيبكم؛ ومصيركم النسيان والسقوط من ذاكرة التاريخ؛ واليوم نردد مع أمير الشعراء/احمد شوقي : وطنــي لو شغلت بالخلــد عنه ** نازعتني إليه في الخلــد نفسي وهفا بالفـــــــــؤاد في سلسبيل ** ظمأٌ للسواد من عين شــــمس شهد الله، لم يغـب عن جفوني ** شخصه ساعةً ولم يخلُ حسي !

ياألله .. ماأعظم الإخلاص في حب الوطن، وليذهب العملاء إلى مزبلة التاريخ !

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى