د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : الأُضحية .. بين الفِداء والغَـلاء !!

ألتقي بقرائي الأعزاء باستهلال طيب؛ ونحن في مطلع شهرذي الحجة ؛ لنحتفل سويًا بيوم وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك، ولنقدم هذا الشكر في صورة “الأضحية ” امتثالاً لأمره تعالى ؛ حين قال : ” فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَـرْ” ، ولنتبع سُنَّة إبراهيم عليه السلام؛ حين أمره الله بذبح الفداء عن ولده إسماعيل في يوم النحر، والحث على أن يتسلح المؤمنون بفضيلة الصبر؛ كما صبرإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ؛ وإيثارهما طاعة الله ومحبته على محبة النفس والولد . إذن فالأضحية سُـنَّـة مؤكدة عند جمهور أهل العلم وليست واجبة إلا على الموسرين وأيضًا دون إلزام بها، وقد كان الله رحيمًا في أحكامه، عندما شرح المعاني الجليلة والمقصودة من القربي بالأُضحية ، فأنزل هذه الآية :” لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ” ( الحج ـ آية 37 ) .
وصحيح أن الأُضحية تُعد أيقونة الفداء والفرح ؛ وتكون للعيد فرحته وبهجته بكونه يتزامن مع يوم النحرفي نهاية موسم الحج، ولذا تعد شعيرة نحرالأضحية سُنـَّة على كل بيت، ويًعد هذا تقربًا إلى الله تعالى ، وهي سُنـَّة مؤكدة في حق من مَلك ثمنها زائدًا عن حاجاته الأصلية، ولا يأثم بتركها. وبعيدًا عن المعنى الديني للأضحية فهي تشكل طقسا مهما لكل بيت، وتُعد أحد عناصرفرحة الاستعداد للعيد، خاصة عند الأطفال كرمز يبشرهم بقدومه، وللفقراء الذين لا يمتلكون القدرة على توفير ثمن شراء الأضحية، خاصة أن الأسعار في ازدياد منذ عدة أعوام ، وتصاعدت الشكاوى من ارتفاع أسعار الأضاحي هذا العام وسط غياب من الرقابة على الأسواق، وارتفاع أسعار السلع الغذائية بشكل عام، الأمر الذى تسبب فى حالة من ركود البيع والشراء بأسواق الماشية ومحال الجزارة، ويلاحظ بشكل كبيرهذه السنة ؛ أنها من أقل السنوات التي يشتري فيها المواطنون اللحوم أو الأضحية، نظرًا لأن توقيت العيد يجيء بالتزامن مع توقيت بدء الدراسة؛ ومواكبًا مع ارتفاع أسعار عدد كبير من السلع الأساسية والضرورات الحياتية، مما انعكس على انخفاض الإقبال على اللحوم، فمن كان يقوم بشراء عِجْل أصبح يشترى خروفًا، بينما أصبح شراء الأضحية من نصيب نوعية محددة من المواطنين ليظل شراء اللحوم بالكيلو هو حال غالبية المصريين .
ومع احترامنا وثقتنا فيما يقوم به “بنك الطعام المصري” من توفير مايسمي بـ “صك الأضحية “معضدًا بفتوى دار الإفتاء المصرية ؛ بجواز تحصيل البنك لقيمة الأضحية من الراغبين فيها، سواء تم الذبح داخل او خارج البلاد ، طالما ستصل لحومها إلى من يستحقون من الفقراء والمحتاجين ، فإننا نود تحقيق الرقابة الفعالة على نزاهة وحيادية استغلال تلك الصكوك في مصارفها الشرعية، دون تسربها إلى من لايستحقون هذه الشعيرة من شعائر الدين الحنيف . وبحسب المُعلن من قبل البنك في هذا الصدد؛ فإنه يقوم بتشفية اللحوم وتقطيعها ووضعها في أكياس ويحصل المضحِّي على كمية الثلث الخاصة طبقًا للشرع ،أما اللحوم التي يتم توزيعها تتلقاها الجمعيات الأهلية في المحافظات المختلفة في سيارات بثلاجات لتوزيعها على محدودي الدخل وتصل لـ 30 ألف جمعية مع إشراف مندوبي البنك في المحافظات، ويتم عمل بحث اجتماعي عن المحتاجين للتأكد من استحقاقهم لتلك للحوم . ومع كل هذه التأكيدات التي ليست محلاً لأي شك .. فإن الرقابة واجبة حتى يدخل الاطمئنان إلى قلب كل من يقوم بتلك الشعيرة التي تحقق التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع .
وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، فإنني أهيب بالسادة مسئولي وزارة الصحة بإحكام الرقابة المشددة على من يقومون بإراقة الدماء في الشوارع ؛ نتيجة ذبح الأضاحي على عتبات البيوت ، ويقومون بتقطيع اللحوم على أبواب المنازل ، فتتجمع المليارات من حشرة الذبابة الناقلة لكل الأمراض ، ناهيك عن انتشار الروائح الكريهة جراء الدماء المتراكمة مع فضلات الأحشاء للذبيحة ، الأمر الذي يثير التقزز والاشمئزاز، وربما تصل إلى حد النفور من هذه الشعيرة نفسها وبخاصة لدى صغارنا، مع انتهاز الجزارين لهذه المناسبة ؛ فيقومون بأعمال التجارة في اللحوم بحجة الأضحية دون رقيب أو حسيب أو متابعة لخلو تلك الذبائح من أمراض الجلد والعظام وميكروب ( السامونيلا )، مع لفت النظر إلى حسرة أبناء الجيران من الفقراء أثناء متابعة تلك الذبائح ، سواء من الجيران أو من التجارالذين يغالون في أسعارها .
فلتكن مناسبة عيد الأضحى المبارك .. مناسبة لاسترجاع قيم الصبر والفداء والقربى لله عز وجل بصالح الأعمال والتقوي ، دون زيادة ومغالاة في المظهرية ، خاصة وأن المثل الشعبى المصري العبقري يقول : مايحتاجه “البيت ” يحرَم على “الجامع” !!
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





