د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : إغتيال محفوظ .. تحت قبة البرلمان !

أبدًا .. لن تتوقف جرائم الاغتيالات بحجة الغيرة على الدين الحنيف؛ طالما ظلت هذه العقول المتحجرة تعيش بيننا؛ ويعضدهم سدنة التراث الملوث بكل الترهات المدسوسة بين ثناياه، ويجب العمل على تنقيته بأفكارالعلماء المستنيرين البعيدين عن تيارات الاتجاهات السياسية وصراعاتها؛ بمنأى عن جوهر العقائد السماوية السمحة؛ ليكون الدين خالصًا لوجه الله تعالى .
ولكن المدهش والجديد في جرائم الاغتيالات الجسدية والمعنوية التي تشهدها الساحة المصرية؛ هي الفوارق العلمية الشاسعة في شخصية القائمين على عمليات الاغتيال؛ كما حدث مؤخرًا ـ تحت قبة البرلمان ـ في إعادة الاغتيال المعنوي للمفكر والأديب الراحل/نجيب محفوظ ؛ بعد محاولة ذبحه الفاشلة قبل وفاته؛ وهو العربي الأول الحاصل على جائزة نوبل في الأدب . ففي الوقت الذي اغتيل فيه “شهيد الكلمة د.فرج فودة ” في العام 1992 على يد “بائع سمك” أمِّي لايقرأ ولا يكتُب؛ بفتوى من جماعته التي ينتمي إاليها استباحت فيها دمه لكونه علماني متطرف، وحين سئِل عن معنى “العلمانية” لم يحْرجوابًا دلالة على الجهل والإنسياق وراء التحريض. نجد أن من قام بجريمة الاغتيال المعنوي لمن أصبح في ذمة الله؛ يحمل دكتوراه القانون الجنائى فى موضوع «الحماية الجنائية للديمقراطية»! ولنا أن نضع المئات من علامات التعجب .. فأي حماية مزعومة لتلك “الديمقراطية” ؟ وكيف يجرؤ نائب البرلمان بعد رحيل أديبنا الكبيربأكثر من عشرسنوات أن يقول: إن كاتبنا الراحل يستحق العقاب لو حركت دعوى قضائية ضده ؛ لأن أعماله الروائية مثل قصرالشوق والسكرية خادشة للحياء !
وهل على هذا القياس الخاطيء لمفهوم خدش الحياء من وجهة نظر المهاجمين والمعترضين لمجرد الاعتراض وإثارة البلبلة .. أيحق لنا ـ حاشا لله ـ أن نطعن في آيات القرآن الكريم ونعدها خادشة للحياء؟ فقد وردت في ثناياه العطِرة قصة حُب “زليخاه” امرأة عزيز مصرلنبى الله يوسف عليه السلام؛ فهي قصة درامية مليئة بالأحداث المثيرة، فقد ورد فى تفسير القرآن أن امرأة عزيز مصر الذى اشترى نبى الله يوسف بعد أن ألقاه إخوته فى البئر؛ أن امرأة العزيز راودته عن نفسه فاستعصم؛ وصوَّر القرآن الكريم هذا المشهد الرائع حيث قال : بسم الله الرحمن الرحيم “وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ …” صدق الله العظيم ـ يوسف 23 .. فهل كان قرآننا العظيم يهدف إلى خدش الحياء بمنطق أدعياء هذا الزمن؟ وهل لهؤلاء أن يطالبوا بإحراق الغالبية العظمى من كتب التراث الإسلامي التي تناولت مايعدونه خدشًا للحياء؛ ومحاكمة أصحابها بعد كل تلك القرون المنصرمة؟ أم أنهم أسدٌ علينا وفي الحروب نعامة ٌ ؟
وفي الحقيقة لم أكن أود الجنوح إلى الاستشهاد بآيات القرآن في هذه الأحداث خشية التفسيرالخاطيء من البعض؛ لكنني أردت إيضاح الصورة لمن يهمه الأمر، والتدليل بأن النص القرآني مجَّدَ أصحاب الفكر والعقل بقوله:(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ .. إلخ).. فهل بعد هذا تكريم وتبجيل للعلم والعلماء أصحاب القلم ؟
ونعود للوقائع والأحداث الموَّارة على الساحة المصرية؛ فهل حقًا هذا ما نريده من ممثلي الشعب، وهل دورهم أن يكونوا صانعين لمناخات التطرف والإرهاب الفكرى والدعوة لعودة محاكم التفتيش، وأن ينصِّبوا أنفسهم أوصياء على ضمائر المبدعين، برغم عدم إلمامهم بالإبداع أو النقد الأدبي وضوابطه! وللأسف فإنهم بهذه المفاهيم أصبحوا عالة وعبئًا ثقيلاً على كاهل المجتمع والوطن؛ ومعول هدم للضمير الثقافي والإبداعي الخلاق؛ ويجب أن يعلم الجميع أن المنتَج الأدبي والفني لا تنطبق عليه قوانين الواقع . ولنا أن نتساءل :هل هؤلاء النواب لم يقرأوا مواد الدستورالمصري الذي أعطى كل الضمانات والحصانة للإبداع والمبدعين في كل المجالات؛ فالمادة 67 تقول: “حرية الإبداع الفني والأدبي مكفولة، وتلتزم الدولة بالنهوض بالفنون والآداب، ورعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك، ولا يجوز رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكرى … إلخ” .
وهذه ليست المرة الأولى ـ ولن تكون الأخيرة ـ التي تثورفيها ثائرة الظلاميين ضد الأدب والإبداع ؛ فقد حُظر في الماضي كتاب “ألف ليلة وليلة”، كما حُرقت بعض كتب القرطبي وابن رشد ، وكذلك كتب عميد الأدب العربي طه حسين في الشعر الجاهلي، وصودر كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ على عبد الرازق الذي نفى فيه أن يكون الإسلام دين ودولة، وبإحدى هذه الفتاوى الغادرة من خوارج كل عصر؛ ذهب “الحلاج” مقطوع الأطراف من خلافٍ إلى المقصلة .
إننا ننتظرإعادة رد الاعتبارإلى أديبنا العملاق/نجيب محفوظ؛ لامتصاص حالة الاستياء الشعبي الكارهة لمحاولة ذبحه من جديد؛ بعدما فارق الحياة وفقد القدرة على أن يشهر قلمه البتارسيفًا يرد به الأذى عن نفسه؛ ويرشق في صدر هؤلاء الخوارج بدل الطعنة .. طعنات ! ولن يتأتى هذا إلا بإقامة احتفالية كبرى لعرض ومناقشة أعماله دفاعًا عن نجيب محفوظ الإنسان والمبدع .
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون






يالها من دعوة مخلصة تتسق وفكرمن يقدرون الإبداع ومدى تأثيره على وجدان المجتمع؛ والمطالبة بإعادة الاعتبارلأديبنا الراحل/نجيب محفوظ ؛ لصد الهجمة الشرسة من دعاة التخلف والظلام الذين مازالوا يعيشون في جهالة القرون الوسطى .
أحييكِ ـ سيدتي المحترمة ـ على التصدي للدفاع عما سنعتبره تراثًا خالدًا لأجيالنا القادمة؛ وما أشرف الدفاع عمن رحلوا عن عالمنا من علمائنا وفنانينا وكتابنا المبدعين؛ ولا تبغي سوى كلمة الحق دون انتظار لشكر أو جزاء من أي جهة من الجهات المعنية بالثقافة والمثقفين ، وهذه طبيعة القلم الحر الذي ينير الدروب في ظلمات الجهل والتجاهل .
تحياتي لقلمك .. وننتظر الاستجابة الفورية لدعوتك ( بإقامة احتفالية كبرى لعرض ومناقشة أعماله دفاعًا عن نجيب محفوظ الإنسان والمبدع ).كما ورد في ختام هذا المقال الرائع .
دمتِ بكل الخيرعلى درب حب الوطن ومبدعيه إلهام أ.د. حمدان