مقالات

د.إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : عسكري الدرك : شوارعنا تناديك !

ذات صباح منذ عامين .. استيقظ المصريون على بالونة إعلامية ضخمة في سماء التصريحات الدورية الإعلانية الإستهلاكية ؛ فحواها يقول: إن وزارة الداخلية المصرية؛ ستعيد إلى الشارع المصري تجربة “عسكري الدرك” صاحب الصيحة الشهيرة : “هاااااا .. مين هناك” مرة أخرى للخدمة، لإعادة الأمن والانضباط إلى الشارع المصري؛ خاصة في مناطق الزمالك وقصر النيل؛ باعتبارهما من الأماكن الهادئة نوعُا؛ كمرحلة أولى سوف يعقبها إدراج مناطق جديدة في مراحل قادمة، على أن تقوم وزارة الداخلية بالإشراف بشكل مباشرعلى عملية الانتشار لهذه الحماية الواجبة للوطن والمواطن، ولتحقيق مبدأ الأمن والأمان؛ وزرع بذور الثقة والطمأنينة في صدورالمواطنين، خاصة بعد الأحداث الدامية التي شهدها المجتمع المصري إبان وأثناء وعقب التغييرات الجذرية التي حدثت في تركيبة المجتمع، نتيجة الثورة الشعبية على الأوضاع السياسية والمجتمعية والاقتصادية، وصراع وتناحر الفصائل غير المنتمية للقيم السامية الأصيلة للشعب المصري؛ بهدف قلقلة الأوضاع الأمنية وإحراج الدولة، ومحاولة زعزعة استقرارها وطموحاتها المشروعة في التنمية والرخاء. فكان لزامًا عليها ضرورة إعادة هيكلة أجهزة الدولة ـ والشرطية خاصة ـ لأنهم الجهة السيادية الوحيدة المنوط بها تحقيق الاستقرار الواجب والمنشود، وكان لهذا الإعلان عن عودة رجل الأمن إلى الشارع المصري؛ أكبرالأثر في شيوع الطمأنينة لدى المواطنين البسطاء على حياتهم وحياة عائلاتهم؛ ولكن مضت الأيام والشهور ولم تتحقق تلك الوعود البراقة؛ وأصيبت الجماهير بالإحباط وفقدان الثقة المفترض وجودها بين المواطن وأجهزته التنفيذية السيادية الموكل إليها حمايته وتأمينه .

 

ويذكر أن لقب “عسكري الدرك” كان يطلق على “الخفير” الذي يسهر ليلاً في الشارع؛ ويجوب كافة المناطق ـ خاصة مناطق وسط القاهرة ـ في المساء من فترة مابعد صلاة العشاء وحتى صلاة الفجر، حيث يجوب المناطق يمينًا ويسارًا، ليقطع الطريق على كل من تسول له نفسه الأمارة بالسوء للقيام بأعمال اللصوصية أوالبلطجة؛ أو ارتكاب أية أفعال تندرج تحت طائلة القانون والعرف السائد في المجتمع. ويقول المؤرخون أن فكرة إنشاء “الدرك” ترجع إلى فترة الحكم العثماني في القرن الـ19 الميلادي، وهو اللفظ الذي كانوا يطلقونه على رجال الشرطة في هذا العصر، لحفظ الأمن في الشارع، وقد أخذها العثمانيون عن الدولة الفرنسية التي كانت أول من أرسى قواعد عمل قوات الدرك كهيئة أمنية هدفها حفظ الأمن بين السكان المدنيين، حيث أنشأت قوات “الجندرمة” فى القرن الثانى عشرالميلادى، وبعد ذلك انتقل هذا التنظيم إلى العديد من الدول الأخرى التى كانت لها صلة بفرنسا أو واقعة تحت سيطرتها أو استعمارها.

 

ومعنى كلمة “الدرَكْ” هو استدراك الشيء أو ملاحقته، وهو ما ينطبق على رجل الشرطة الذي يطارد المجرم. وعسكري الدرك، كان موجودًا لفترة طويلة، ووظيفته هو الانتقال ما بين الشوارع والميادين في إطارجغرافي معيَّن يكون مكلفًا بحدوده؛ بالتعاون مع زملائه لتفعيل دورالأمن في الشارع والقضاء على البلطجية والمخربين، حتى قامت ثورة يوليو بإلغاء وظيفة “عسكري الدرك” واستبداله بأمناء الشرطة. ولعلنا نذكر أن السينما المصرية في حقبة الزمن الجميل؛ لعبت بشكل ملحوظ دورًا مهمًا فى أفلام الكوميديا ـ خاصة أفلام الفنان الرحل/اسماعيل يس ـ ورفيقه في معظم أعماله الفنان القدير/رياض القصبجي؛ الشهير بـشخصية “الشاويش عطية” وكانت تلك الشخصية ضمن عناصر البهجة للمشاهد المصري؛ وكانت في الوقت نفسه تجسيدًا واقعيًا لتلك الظاهرة الفريدة في المجتمع؛ وهي شخصية “العسكري” الذي يجوب الشوارع على دراجة أو على قدميه، و”الصفارة” النحاسية المميزة التي تعلن عن تواجده؛ وتمنح الأمن لمن يقبعون في بيوتهم بكل الأمان؛ ويشعرون بأن هناك من يحميهم ويسهرعلى الحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم من كل سوء .

 

ولكن يبقى السؤال الأزلي الذي نبحث له عن إجابة شافية : هل بـ “عسكري الدرك” وحده يتم الانضباط في الشارع المصري؟ إن انتشار عناصر البلطجية وتفشي السرقات بوسائل شتى؛ دفعت الكثير من التجار وأصحاب الشركات والمصانع والأفراد العاديين إلى لجوئهم للتفكير في تسليح أنفسهم لإمكانية الدفاع عن ممتلكاتهم وأرواحهم وأرواح ذويهم قدر المستطاع، سواء تم حصولهم على السلاح بالترخيص الرسمي أو بالحيازة المستترة؛ خاصة مع انتشار ظاهرة عدم تلبية الشرطة لنداءات الاستغاثة التليفونية لقطاع مايسمى بشرطة النجدة ! لهذا كان من الواجب والضروري من أجل إعادة “عسكري الدرك” إلى مكانه ومكانته في الأحياء السكنية المكتظة بالسكان؛ هو الإسراع بإنارة الشوارع العامة والجانبية ومراقبة الساحات الخالية “الخرابات” لزيادة الأمان، وحتى لاتتحول تلك الساحات أوكارًا تأوي الهاربين من العدالة ومرتكبي ماتعج به صفحات الحوادث، وليس من المعقول أن يقتصر دوره على الصيحة الشهيرة: مين هناااك .. بل يجب أن يكون مسلحًا بالقدرالواجب للدفاع والحيطة والحذر، لأن تواجده بلا تسليح؛ سيكون نوعًا من التواجد الشكلي بلا أدنى تأثير في نفوس من تسول له نفسه بالإجرام والبلطجة، مع مراعاة اختيار العناصر الشرطية المنوطة بهذا الدور بعناية شديدة؛ ويتم ذلك بعد اجتيازهم اختبارات شخصية ونفسية على يد كبار الأطباء والقادة، ومنحهم سلطة” الضبطية القضائية”، حتى يكون لهم الدور الفاعل والمؤثر لتواجدهم بين ظهرانينا في الشارع المصري .

عزيزنا عسكري الدرك الغائب، أين أنت .. شوارعنا : تناديك ؟

 

أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى