د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : التليفزيون ليس دارًا للإفتاء !!

من قال : لاأعلم .. فقد أفتى ! ويقولون: أجرَأُ الناس على الفُتيا أقلُّهم علمًا ! ويقول عمربن عبدالعزيز: مَن قال لا أدري فقد أحرز نصفَ العلم !! والمثل الشعبي العبقري في المغرب يقول: (ما يتقرقرغير السطل الخاوي! )؛ والمعنى: لا يُحدث ضجيجًا إلا الإناءُ الفارغ .
لاأدري لماذا قفزت إلى ذهني كل هذه المقولات المأثورة وأنا أجلس أمام شاشة التليفزيون المحلي والفضائيات؛ لأشاهد برامج “السفسطة” و”الثرثرة” التي امتلأت بها القنوات الإعلامية، لأجد أمامي من يجلس متكئًا منتفخ الأوداج ليقدم لنا الفتوى والرأي في العلوم الفلكية والدينية والإقتصادية والسياسية والفنية والأدبية والشعرية، وربما يفتي أيضَا في المسائل الشرعية والزوجية، برغم أنه “رُوي عن مالك بن أنس: أن رجلًا سأله عن مسألة، فقال: لا أدري، فقال له الرجل: سافرتُ البلدان إليك، فقال: إرجع إلى بلدِك، وقل: سألتُ مالكًا، فقال: لا أدري” .
وهكذا يكون العلماء والعارفون بأقدار أنفسهم ، وعلى النقيض نرى الضيوف على الشاشات المصرية تسبقهم الدعاية والإعلان عن استضافة العالم العلاَّمة ” دكتور” فلان الفلاني، دون معرفة واضحة لتخصصه ، ثم نكتشف أن كل مؤهلاته هي إعداد عشر ورقات؛ حصل بهم على درجة مشبوهة غير معترف بها من جامعات المراسلة مجهولة المقروالمنشأ والتمويل؛ المنتشرة في كل أنحاء العالم ، و”كلُّه بتمنه” كما هو معروف !!. والأدْهى والأمَرْ أن البعض من هؤلاء الحنجوريين حين أفلحوا ـ شكلاً ـ في هرتلاتهم وجيء بهم إلى صدارة المشهد؛ لفظهم المقعد والمنصب بعد أقل من اسبوعين من تقلدهم تلك المناصب الحيوية والحقائب الوزارية ؛ لفشلهم الذريع في إدارة ماكانوا يباهون بمعرفة أسراره والإدعاء بقدرتهم الفذة على إدارته، ثم سقط عنهم تاج الريش الذي كانوا يتطاوسون به ، والأمثلة كثيرة ومعروفة لدى كل المتابعين للأحداث على الساحة الإعلامية في مصر، بتعيين غير المتخصصين في وظيفة مذيع البرامج أو مذيع الربط بالوساطة والقرابة والمحسوبية ، وتكون الطامة الكبرى حين يتبوأ هؤلاء مسئولية التصدي لبرامج اللقاءات التي تناقش أحداث الساعة؛ فتشي وتفضح بمدى جهلهم المطبق بالمادة موضوع أحداث النقاش .
والمعروف أن “الشاشة الفضية” تعتمد اعتمادًا أساسيًا على “الصورة” والتقارير المصورة في مواقع الحدث فوريًا، وعلماء اللغة يطلقون على “التليفزيون” لفظ ” المرناه” أي الرؤية المصورة الموثقة المصاحبة للصوت !! وإلا فما هو الفارق الجوهري بينه وبين “الصوت” فقط على أثيرالإذاعة، ولكن مانراه الآن هو صورة شخص “المذيع” الذى يتربع بسحنته في الشاشة لساعاتٍ طوال ، ويتلقي المكالمات الصوتية التليفونية المدبَّرة؛ والتي يعرف الجميع أنها مكالمات متفقٌ عليها مسبقًا مع المتصلين، بل يزداد التندروالتهكم من العامة بقولهم إنها تتم عبرالاستديو المجاور بالاتفاق المُسبَّق مع مقدم البرنامج ! فهل هناك عبث واستهتار واستخفاف بعقلية المشاهد والإحساس الجمعي في الشارع المصري أكثر من هذه الوقائع المشينة ؟ !
والسؤال المطروح الآن على أفواه الجماهير المتطلعة للبرامج الجادة : متى نتخلص من ظاهرة المداخلات التليفونية العقيمة ؛ التي لا تعبرإلا عن فقر في إعداد البرنامج ، وعلامة واضحة على نضوب قريحة القائمين على تلك البرامج، وعجزهم عن الابتكار والتجديد لكل إبداع يخدم الساحة الثقافية والمشاهد، وهذا يأتي نتيجة التكاسل في الخروج بالكاميرا إلى الشارع؛ للقاء الجماهيرعلى الطبيعة لمعرفة وجهة نظرهم، وإعداد تقارير مصورة موثقة ومعدة إعداداً جيداً يحترم عقلية المشاهدين ومشاعرهم وتوجهاتهم ، وهذا لن يتأتى إلا بتوفير قوافل وكوادرالإعداد وتغذيتها بالعناصرالمثقفة الواعية المواكبة فكريًا لنبض المجتمع وخلجاته ، والإلمام التام بمشاكلهم الحيوية المؤثرة في جوانب حياتهم داخل الوطن .
ففي تقديري أن المداخلات التليفونية تحدث أثراً فقط عند الضرورة القصوي، ماعدا ذلك فهي تكاد تكون مصدرًا لإزعاج المشاهد ومضيعة للوقت والجهد، وخروجًا بالحوارعن سياقه في معظم الأحيان ، وقد لا يخلو الأمرمن بعض المواقف المحرجة وربما الاستماع إلى ألفاظ نابية وخارجة في سياق المكالمة على الهواء، ولا سبيل لمواجهتها إلا قطع المكالمة من غرفة الاتصال، كما حدث في برامج عديدة خلال الفترة الماضية .
واحترامًا للمنظومة الإعلامية وتاريخها العريق في مصر؛ يجب الإسراع في إعادة هيكلة تلك المنظومة بكاملها من القمة إلى القاع ووضع المعاييرالثابتة لاختياركل من يعمل في هذا الحقل الحيوي الذي يعمل على تشكيل وجدان الجماهير؛ وبذل المزيد من الجهد العلمي في اختياروانتقاء قوائم الضيوف الذين نعدهم ضيوفًا على البيت المصري وقيَمه الأصيلة؛ ومعرفة تخصصاتهم الموثقة بالدرجات العلمية المعترف بها؛ أو أصحاب الخبرات في مجالاتهم ، مع ضرورة إعداد التقارير المصورة بالاستعانة بمراسلين أكفَاء ليكونوا واجهة محترمة للقنوات التليفزيونية المصرية العريقة ؛ والرائد ة فى المنطقة العربية بأسرها .
احترموا عقلية المشاهد .. يحترمكم من يفتحون لكم بيوتهم ويستضيفونكم على الرحب والسعة !
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





