مقالات

اللواء عمرو بركات يكتب لـ الأنباء نيوز : مبارة فى الكوميديا الارتجالية بين جماهير كرة القدم !!

أن تشاهد مبارة كرة قدم فى التلفاز فهذا شئ عادى، أما أن تذهب خلف فريقك المفضل إلى ملعبه فهو من الأمور الطبيعية، ولكن حينما يكون فريقك هذا هو فريق النادى المصرى، والملعب هو استاد بورسعيد، وتكون جالساً بين جمهور المقصورة شمال، فللمبارة مشاهدة أخرى، وأهداف غير التى أحرزها اللاعبون .

 

(1) الكوميديا الارتجالية؟! تصبح عندئذ مبارة كرة القدم لعبة مسرحية كوميدية يؤديها لاعبوا فريق النادى المصرى، ربما لهذا السر يعود اصل تسمية العمل المسرحى ب”اللعبة”، فيقوم المدرب بدور المخرج لمشاهد من الكوميديا الارتجالية، و”الارتجالية” هنا من”الرجل” الذى هو العضو المسيطر على الأداء الجسدى للممثلين فى العرض المسرحى على البساط الأخضر، بينما يقوم مساعد المدرب بوظيفة الملقن المختفى تحت”الكمبوشة”، وتدريبات المدرب لفريق النادى المصرى هى نوع تدريبات الممثلين فى ورش المسرح لإعداد ممثلين لا لاعيبى كرة قدم، ومن أجل خلق المواقف الانفعالية، وتوجيهاته لهم هى توجيهات للفت نظرهم تجاه “الفارس” الذى بين أقدامهم، استجابة لحالة جدلية مستمرة مع هتافات الجمهور المتلقى، أما صفارة الحكم، وكروته الصفراء، والحمراء فتتحول إلى تنبيهات لللاعبين لخروجهم على النص الافتراضى، كل هذا يتأتى لك وأنت جالس شريطة أن تكون بين جمهور المقصورة شمال فهم أعضاء النادى القدمى، أو الشباب الذين ورثوا عضوية النادى عن آبائهم، وإذا ما امتد نظرك فتجاوز أسوار الاستاد فرأيت شاطئ البحر المتوسط، فتشعر انك تجلس فى احد مسارح أثينا الإغريقية المفتوحة، وتكتشف حقيقة أن الأدب المسرحى فى جذوره التاريخية قد صنعه المشاهدون، وليس المؤلفين. قبل المبارة؟ فى مدرج المقصورة شمال لا تثور مشاكل فى الجلوس على المقاعد لان جمهوره ثابت ويعرفون بعضهم، ولكل منهم مقعده المخصوص، اللهم من بعض المشاكل عندما تأتى مجموعة من المشجعين الخرس، والذين يدخلوا إلى المقصورة باستعمال كارت بطاقة التموين الرقمية الجديدة فهى خضراء اللون مثل كارينيهات المقصورة شمال، ويدخل الحاج” الشناوى”(82 سنة)، سائق معدية بالمعاش، ويجلس على مقعده، ويخرج من جيب الجاكت الراديو الترانزيستور الذى يتابع فيه بقية المباريات المذاعة فى إذاعة الشباب والرياضة، وبين الحين والآخر يعلن نتائج المباريات لمن حوله، إلا انه غالباً ما يختفى قبل نهاية الشوط الثانى فهو يذهب إلى المنزل لمشاهدة مبارة الأهلى فى التليفزيون، دون أن يشعر به أحد، فجميع جمهور المصرى يشجعون النادى الاهلى ولكن فى السر، فهو عندهم الفريق المحظور، ويبدأ جمهور المصرى بتشجيع لاعبيه فور نزولهم للإحماء بالنداء عليهم بالاسم واحد واحد، ولابد على كل لاعب سمع اسمه أن يحضر إلى جمهور المقصورة شمال ويترك المدرب، والكرة، ويجرى مسرعاً رافعاً يديه، منحنياً، مرسلاً عدداً لا بأس به من القبلات فى الهواء، متمتماً بالمعوذتين فى وجه الجمهور، وهكذا جميع اللاعبين، حيث يعرف لاعبى المصرى انه إذا تأخر احدهم عن نداء المقصورة شمال يتحول فى نفس اللحظة إلى ولد عاق جلب لأهله اللعنة، ويدخل الجمهور فى مناقشات مستفيضة لتقيم أداء الفريق المصرى منذ بدء الدورى، وتبرير الفوز، والتعادل، والهزيمة، عند هذه اللحظة يتوجهون إلى المقصورة الرئيسية بالنداء على أعضاء مجلس إدارة النادى بالتحية، المختلطة بالدعاء للبطاقة الاستيرادية التى عملتهم أعضاء، ويترحم الحاج”الشناوى” على “الطوبشى”، و”عبد الرحمن باشا لطفى”، و”محمد موسى أفندى”، و”أحمد بك غاربو” رؤساء أول مجلس إدارة للنادى، عندما كان اسمه “الموظفين”، ثم”الأهلى”، وتم تشكيله ليصبح أول فريق فى مواجهة خمس فرق أجنبية فى بورسعيد سنة 1920م، وتبدأ الجماهير فى الاعتراض على تشكيل الفريق قبل أن تبدأ المبارة. الفصل الأول! قبل انطلاق صفارة الحكم لضربة البدء يبدأ الجمهور بترديد أغنية “سيد درويش”، “قوم يامصرى مصر دايماً بتناديك” مع بعض التغير فى الكلمات لتصبح”ألعب يامصرى جمهورك بيناديك”، ويقول الحاج”الشناوى” موجهاً كلامه للهواء:” إن الغنوة دى لما طلعت كانت السبب فى تسمية الفريق بالمصرى، ولبس اللاعيبة الفانلات الخضراء لون علم مصر زمان، بعد ما كان اسمه الاهلى”، ويسمعه”حمزه”(65سنة)، أول من حكم عليه بالمؤبد فى الستينات فى قضية جلب مخدرات بمطار القاهرة الدولى، حصل بعد الإفراج عنه من المحافظ على شقة، ومحل، ولكنه باعهما، ويسكن حالياً فى عشة فى”زرزارة الجديدة”، لم يتزوج، ويقسم بالطلاق أن “المصرى عمر ما كان اسمه الأهلى فى يوم من الأيام، وان اسمه كان الأهالى”، فيرد عليه الحاج”الشناوى” قائلاً:” خلى الأهلى مولعك”، ومع صفارة الحكم ينفجر”خلف” (38سنة)، وارث مقهى بجوار الفنار القديم، عن طريق تزوير توكيل من أبيه بعد وفاته، معلناً بان المبارة مباعة، والحكم متحيز للفريق الآخر، ولا يحب المصرى، وهذا ليس عدل ربنا؟! يقف بمفرده بين جمهور المقصورة شمال ليعلن عن غضبه على الحكم، ولما لم يجد استجابة من الجمهور، أدار وجهه للجمهور قائلاً:” رنبا يخلى الصين اللى لبستكم ترنجات بعد ما كنتم بتيجوا الاستاد بالبيجامات”، وقبل أن يجلس يتوجه إلى المصور التليفزيونى منبهاً عليه بضرورة تصويره، وإلا “سحبه من رجليه؟!”، ومع أول صفارة باحتساب خطأ على الفريق المصرى يعاود “خلف” الوقوف والهتاف ضد الحكم، ولكن فى هذه المرة يتبعه الجمهور، ويبدأ جمهور الخرس بذكر الأخطاء التحكيمية لهذا الحكم مع النادى المصرى فى جميع مباريات الدورى، مستخدمين لغة الإشارة. المدرب بوكير؟! المدرب الالمانى” بوكير”ـ تمت إقالته أثناء كتابة المقال ـ أول مدرب يدرك قيمة البعد الكوميدى عند جماهير النادى المصرى، فهو يقوم بين الحين والآخر بدور كومبارس فى المسرحية التى يخرجها شأنه شأن كبار المخرجين، فعقب هجمة فاشلة للاعبى المصرى، يخرج من تحت المظلة التى أمام جمهور المقصورة شمال مباشرة، ويتجه بوجهه إلى الجماهير، وقد رسم عليه علامات الإستياء، مشيراً بكلتا يديه على اللاعبين، فيستفز الجمهور حتى الموجود فى المدرج الغربى، وفى المدرج البحرى، ويبدأ الجمهور بفاصل استنكارى من الهتافات، يتسلل اثناؤه”بوكير” إلى مقعده تحت المظلة مرة أخرى، وقد أصبح فى مأمن من الجمهور، كما نصحه مساعده اللاعب السابق فى المصرى، والذى كان من اكبر مهاجمى المصرى فى السبعينات، وهو أول لاعب نزل إلى الملعب ومعه مسمار مسلح فى الشراب، فيهتف له الجمهور بعد ذلك من اجل تغير لاعب معين، ونزول لاعب آخر بالاسم!؟، فيقف”بوكير” مستعجلاً اللاعب البديل الذى أمر به الجمهور للإحماء، ثم يشير إلى الجمهور بإبهامه، إلا انه لا يسلم هذه المرة من سباب الجمهور لأنه كان من المفروض عليه أن يجرى هذا التغيير من قبل أن يطلبه الجمهور. بين الشوطين! بين الشوطين بصرف النظر عن النتيجة التى عليها المبارة يبدأ جمهور المقصورة شمال فى عمل الأستوديو التحليلى، فيعود بعضهم باللوم على المدرب لأنه أجنبى، فيرد أحدهم بأن المصرى أول فريق دربه أجانب فى تاريخ الكرة المصرية من أول”كين” الانجليزى، و”بوشكاش” المجرى، و”فيلب ريدون” الفرنسى، و”فرانديز” البرازيلى، و”مولديفان” الرومانى، والبعض الآخر يلقى بالتقصير على اللاعبين، أما”البدرى فرغلى” ففى جميع الأحوال يلوم الحكام، ويعلن “خلف” قلقه ” أن تصبح نتيجة المبارة مثل مبارة المصرى فى الدنيمارك لما أتغلب 9/2 بسبب المطر سنة 1982م، لما أخذهم السيد متولى معاه للاحتفال بعيد الثورة هناك”، فيرد عليه”العربى بظروفها”(25سنة) مهرب فى منقذ الجميل:” إن الوردية مكبوبه”. الفصل الثانى؟ يفتتح الحكم الشوط الثانى بصفارته الغير مسموعة وسط هتافات الجماهير التحذيرية للاعبى المصرى أن يلعبوا، فيكون رد فعل اللاعبين مع بداية الشوط الثانى هو استنفاذ طاقتهم فى الجرى خلف الكرة أينما وجدت، فترى فريق المصرى بالكامل يهاجم، ويدافع، ولم يعد هناك فرق بين خط الدفاع، وبين خط الوسط، أو الهجوم، فيبدوا الفريق وكأنه يلعب كرة أوروبية، ويصدق الجمهور فيهتف:”إلعب يامصرى يا بتاع أوربا، إلعب يامصرى يا بتاع زمان” عندئذ يهدأ اللاعبون بعد العشر دقائق الأولى من الشوط الثانى، ويعودوا إلى أماكنهم مرة ثانية، وهم يلهثون، وفى هذا التوقيت يحرز الفريق المنافس هدفاً مفاجئاً، ليعاود الجمهور هتافه مع ركلة البداية”إلعب يامصرى” وقد تجاوز أحزانه مشجعاً فريقه بروح رياضية، ولما لا تسعف لياقة اللاعبين البدنية تقديم فاصل برازيلى آخر، يتجه الجمهور بالنداء العنيف على مجلس الإدارة الذى قام بشراء لاعبين من أفريقيا عندهم نقص كالسيوم. التعادل؟! ولا يجد الجمهور من أجل إنقاذ الموقف إلا بالهتاف القاسى ضد الفريق الضيف، من أول المدرب، حتى حارس المرمى الذى يقف بمفرده أمام جمهور المقصورة شمال فى الشوط الثانى، فيرتبك أداء اللاعبين وسط تلك الصفحات المنشورة من معاجم اللغة، وهنا يطور أحد لاعبى خط الوسط للنادى المصرى هجمة مرتدة، فيتخلص من الكرة مدافع للمصرى متقدم بقذفها بقوة انتقام من منتصف ملعب الفريق الآخر، ومع الهتافات المنهالة على راس حارس المرمى، يتم تعطيل جهازه العصبى، فيتأخر رد فعله عن الاستجابة للتسديدة، ويتعادل المصرى، فتهتف الجماهير، ويصيح”العربى اللونج”(50 سنة) عاطل، ومستورد:”أنا قلت من زمان الواد ده يلعب قدام”. الهزيمة؟! وفى قمة نشوة شعور الجماهير بالفرحة بهدف التعادل، والذى يفتح باب الأمل للفوز، وإحساسهم أنهم من أحرز الهدف، وليس اللاعبين، يتمكن الفريق الآخر من استجماع أعصابه، والتأقلم مع أصوات الجماهير، واللعب تحت ضغوطهم العصبية، وليس تحت ضغط مهاجمى المصرى، ويحرزون هدف الفوز، والذى يكون دائماً”أوفسايد” بإجماع آراء المقصورة شمال، ولكن حامل الراية عنده شلل نصفى كما وصفه”حمزه” فلم يتمكن من رفع ذراعه، وترتفع جعيرة”خلف” قائلاً:” الحكومة مش عايزه المصرى يفرح”، فيلتفت إليه “البدرى فرغلى” وقد هز رأسه بالموافقة، إلا أن الحكم ينقذ موقف الحكومة، ويعلن انتهاء المبارة، وتتعالى صيحات الجماهير معلنة انه لازال خمس دقائق وقت بدل ضائع لم يحتسبها الحكم، كان من الممكن للمصرى لو لعبهم أن يحرز هدف التعادل مرة أخرى، كما يحرز هدف الفوز، ولكن الحكم ظلم المصرى، ولم يحتسب ثلاث ضربات جزاء مستحقة للمصرى. صفر الخروج؟! تخرج الجماهير وهى تشعر باقتراب فريقها من المرتبة صفر، وانه أصبح مهدداً بالخروج من التنافس فى الدورى الممتاز، ويتجه جمهور المقصورة شمال إلى قهوة”رأس البر الكبرى” على أول شارع الثلاثينى وعدلى، ليدخنوا معسل”أبو جابر” المنتج المحلى الوحيد لهم، والغير وارد من الصين، بينما يتابعون بقية مبارة الاهلى والاسماعيلى على التليفزيون، إلا أن “كمبس”(30 سنة) بائع كارتين أحذية فارغة لشوى السمك أمام فرن”المصرى” بشارع مظلوم، يعلن أن اليوم بعد منتصف الليل مبارة فى الدورى الاسبانى يلعبها برشيلونه، مع ريال مدريد، مذاعة فى قهوة “خلف” بالإفرنج، ف”خلف” بعدما استحرم تركيب وصلة دش، اشترى جهاز كمبيوتر بكارت “تى. فى”، وفك شفرة مباريات الدورى الاوربى عن طريق الانترنت، كما كتب اسم مقهاه على”الجوجل ايرث” ليصبح مقهى دولى، فيتأهب الجميع إلى التوجه إلى الإفرنج، بعد تناول عشاؤهم المفضل من سندوتشات”لامؤخذة”. لو كان”تشارلز ديكنز” شاهد مبارة واحدة باستاد المصرى مقصورة شمال لكتب رواية”قصة فريقين”، وليس”قصة مدينتين”، ولو كان”شكسبير” احد مشجعى المصرى، ما أضاع وقته فى قصص حياة ملوك انجلترا فلديه من هم أهم مثل:”خلف، وحمزه، وكمبس، و العربى بظروفها، وشقيقه العربى اللونج”، و لو كان “نجيب محفوظ” من أبناء بورسعيد لكتب ثلاثية” بين الشوطين”، و”أهداف فترة النقاهة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى