د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : وعادت تطاردنا .. السحابة السوداء !

قش الأرز.. وما أدراك ما قش الأرز؟! إنه جهنم مفتوحة على مصراعيها تحرق الصدور وتزكم الأنوف ونقع صرعى من ويلاتها، يُحرق ليحرقنا معه . يريد زارعوه أن يتخلصوا منه فإذا بهم يتخلصون منَّا ، فدخانه المكفهر يكسو سماءنا بسحابة خبيثة لاتنقشع، تجثم بسوادها وتفحمها على رئة المصريين غير عابئة بما تحدثه من أمراض مستعصية، يقع على أثرها آلاف المرضى بالمستشفيات مصابين بأزمات تنفسية، وبخاصة مرضى حساسية الصدر والربو وأمراض القلب، وضحاياها من الأطفال وكبار السن .
لاأحد يتصور أن مشكلة كهذه تظل بلا حل حتى الآن، هل يعقل أن يسقط ضحايا للأرز؟ هل هو بهذه الأهمية ليفتك بصحتنا؟، وهل تعرضت البلدان التى تقوم بزراعة الأرز للمشكلة نفسها التى تعانيها مصر أم أننا حالة نادرة؟! لقد وقعنا فى (حَيص بيص) لانهاية له . أتساءل: لماذا لانطلع على الطرق التى تتبعها البلدان الأخرى في التخلص منه والذي يمثل الأرز المحصول الرئيس لديها مثل اليابان على سبيل المثال، أو نجلب خبراء فى هذا المجال لمساعدتنا على إيجاد آلية تقضي عليها من جذورها .
فصحة المواطنين على المحك، فالتلوث يحيط بهم من كل صوب وحدب، الماء والهواء وظيفتهما منح الحياة لا سلبها، نحن مستعدون أن نستغني عن تناول الأرز فالكشري والمحشي لايطيلان العمر ولا يمنحان الصحة، بل الهواء النقي والماء النظيف! علماً بأن هناك جهودًا وأبحاثاً قام بها أساتذة في مجال المخلفات الزراعية،للاستفادة من قش الأرز باستخراج مادة “السيليولوز” الثمينة، التي لو عرفنا قيمتها في توليد الطاقة لما أهملنا المشاريع المعروضة للإستفادة بها .
هذه بارقة أمل لايجب أن تهدرها الدولة إذا كانت جادة بالفعل فى مواجهتها! وإلى متى نتباهى بأن لدينا أكبر المراكز لعلاج الأمراض الصدرية والسرطان وأمراض الكبد والفشل الكلوى، التي تنهش جسد الإنسان المصرى، الذى يحمل على عاتقه عبء ازدياد معدلات التنمية ومطالبته ببذل الجهد لارتفاع مستوى الرسم البياني لمؤشرات الدخل القومي؟! ولم نسأل أنفسنا في مواجهة صريحة : كيف يتأتى للمواطن الذى يعاني كل تلك المشكلات الحياتية أن يحصل على القدرة الكافية لحمل تلك الأعباء؟ ورغم هذا يواجه اتهامات متواصلة من أجهزة الدولة ومؤسساتها بأنه السبب في تفاقم مشاكل الإنتاج وتدنِّي معدلاته! أما كان من الأجدى والأوقع أن نتفاخر بأنه ليس لدينا مرضى بتلك الأوبئة، والأدهى والأمر أن تكاليف القضاء على تلك الأوبئة الفتاكة ـ قبل حدوثها ـ لاتتعدى خمسة بالمائة من تكاليف علاجها، ولكننا نستعذب جلد الذات، والتباهي بإنفاق معظم بنود الموازنة العامة للدولة في مواجهة الخطر الذي يحدق بالمواطن وليس بدفع الضرر عنه، ونقوم باستعراض امتلاك إمكانات المقاومة دون النظر الى اجتثاث الأسباب من جذورها واقتلاع الداء الذي يلوِث المناخ العام باتساع خارطة مصرنا المحروسة ؛ التي حباها الله بأجواء يحسدها عليها كافة البشر في كل أنحاء العالم ، واكتسبت على طول السنين شهرة المناخ المعتدل النظيف الذى تعتمد عليه حركة السياحة التى تمثل نسبة لابأس بها من موارد الدخل القومي وعوائد التدفقات النقدية من العملة الصعبة، والتي هي (ألف باء) صحة وقوة الاقتصاد القومى .
وتأتي مشكلة حرق “قش الأرز” لتذهب كل تلك المزايا أدراج الرياح، فتحيل كل ماكنا نتباهى به الى منغصات تؤدي الى خلل في توزيع دخل الفرد والأسرة ، لتنهش ميزانية العلاج الجزء الأكبر من هذا الدخل الذى يؤثر بالتالي على البنود المخصصة لباقي المتطلبات الحياتية الضرورية، بل وشهدت المجتمعات المصرية هجرة بعض الأسر الى أماكن بعيدة عن أماكن مرور تلك السحابة الخبيثة، ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الى خلل في تركيبة لُحمة المجتمع وتفكيك أواصره سواء بالهجرة او الاغتراب عن البيئة الأصلية .
أرأيت ـ عزيزي القاريء ـ كيف لمشكلة واحدة من المشاكل التى نتجاهلها تبدد طاقات أمة بأسرها؛ تجنح دائماً الى الارتقاء لمصاف الدول المتقدمة . فإلى متى سنظل نشكو ولا نسمع إلا عن مساع ٍ غير مجدية للحل واجتماعات تسفر عن إجراءات كتوزيع جرارات ومكابس على المزارعين وغيرها من الحلول التي ( لاتحل ولا تربط ) أصلاً . مايهمنا هو النتائج الملموسة على أرض الواقع، نريد استعادة زرقة سماء مصرنا الحبيبة ونسمة جوها النقي، وماؤها النظيف وثمارها الطازجة وخيراتها بعيدة عما يعكرها أو يلوثها . فالعناية بالصحة هي الخطوة الأولى التى تعين كل فرد على أداء عمله على أكمل وجه بهمة ونشاط وإقبال على الحياة .. فيكون ضمن منظومة مجتمعية منتجة للإسهام في النهوض بالوطن في كافة المناحي ، لنحيا أصحاء .. وتحيا مصرنا الغالية !
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





