د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : النيل الأصفر

نعلم .. ويعلم الجميع أن البشر بكل علومهم الدنيوية وتكنولوجياتهم المتقدمة؛ لا ناقَةَ لهم ولا جَمَلْ فيما تحدثه الكوارث؛ التي تُعد من الظواهر الطبيعية التي تسبب دمارًا كبيرًا للممتلكات والبشر في حالة حدوثها، وقد قامت هيئة الأمم المتحدة بتحديد مواصفات معنى الكارثة؛ فتقول في بياناتها أن : ” الكارثة هي حادثة كبيرة ينجم عنها خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات؛ وقد تكون كارثة طبيعية مردها فعل الطبيعة ( سيول، أعاصير، زلازل، عواصف، فيضانات الأنهار … الخ )؛ وقد تكون كارثة فنية سببتها يد الإنسان المخربة سواء كان إراديًا أم لا إراديًا بالإهمال ، وتتطلب مواجهتها والتغلب عليها وعلى آثارها معونة الأجهزة الوطنية كافة ( حكومية وأهلية )؛ أو الدولية إذا كانت قدرة مواجهتها تفوق القدرات الوطنية المتاحة “.
وعن خطر تغير المناخ بسبب ارتفاع درجة الحرارة ” الاحتباس الحراري ” قال الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي ـ مون” : إن خطر التغيرات المناخية على البشرية شبيه بخطر الحروب؛ و إن تغير المناخ بات أمرًا لا يمكن تجاهله وأن تدهور البيئة على الصعيد العالمي لم يجد من يوقفه كما أننا نستغل الموارد الطبيعية بشكل يخلف ضرراً كبيراً .. ومع تغير المناخ هناك توقع بتزايد معدل حدوث الأعاصير واشتداد قوتها، فالأمم المتحدة وضعت مسألة الحد من الكوارث في قائمة أولوياتها منذ كارثة تسونامي عام 2004 في المحيط الهندي التي أودت بحياة أكثر من 200000 شخص … “. ولم تستطع تكنولوجيا الغرب بكل مالها من قوة وسطوة؛ أن تواجه هذا الإعصار الدامي، ولم تخرج جحافل المتربصين بالحكم والحكام بلسان الإتهام والتقاعس للحكومة عن المواجهة، لوجود الثقافة المعرفية التي تؤمن تمامًا بكيف تفرِّق بين الإهمال الجسيم وخطر الكوارث الطبيعية، كما يحدث من بعض المارقين أعداء الأوطان في بلاد العالم الثالث التي تعاني من الأمية العلمية والمعرفية .
ومن الكوارث الطبيعية؛ كانت السيول الفجائية الشديدة التي ضربت مناطق محافظات الصعيد والبحر الأحمر على الخريطة المصرية هذا الموسم؛ وأدت بالتالي إلى وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة في تلك المحافظات، الأمر الذي تحولت معه مياه النيل إلى اللون الذهبي الذي يحمل في طياته “عكارة” الطمي وسُمرته ؛ تلك السُّمْرة التي اشتهر بها المصريون ويتفاخرون بها؛ ويحدث هذا في مياه النيل جرَّاء الرمال والطَّفلة التي انزلقت إلى الوادي مع شدة اندفاع المياه المدرارة المنهمرة من السماء على أعالي سلسلة الجبال المحيطة بالمنطقة الصحراوية في جنوب الوادي ، وجرفت في طريقها كل المباني العشوائية التي أقيمت في مجرى السيول، وألحقت أضراراً بالغة في الممتلكات والمصالح العامة والخاصة ؛ ومن ثم نلقي باللائمة على المسئولين في الوزارات المعنية بشئون الكوارث والأزمات .
وحتى نكون منصفين؛ وحتى لانتعرض للإتهام بأننا نعشق جلد الذات؛ بإلقاء المسئولية على الحكومة والوزارات السيادية المنوط بها تفعيل إدارات الكوارث والأزمات؛ فإننا نشير إلى أن السكان أيضًا تجاهلوا التعليمات والأوامر بعدم البناء في مجاري السيول والمخرات التي أنشأتها الدولة لامتصاص مياه السيول واستيعابها؛ برغم التحذيرات المتكررة لهم بخطورة وجود تلك المباني في هذه الأماكن الخطرة وقد نلتمس لهم الأعذار في أن المشكلة تكمن في عدم توافر مساحات مخصصة كافية للسكنى والمعيشة؛ واضطرار بعض المواطنين للبناء في مسارات الأعاصير والسيول، وهذا يعني ـ بكل الموضوعية ـ أن السكان يتحملون جزءًا من المسئولية؛ ويقع عليهم عبء عدم إطاعة الأوامر في هذا الصدد، ولكن يبقى قدَرْ الدولة ومسئوليتها دائمًا في الالتزام بحماية رعاياها من كل الأضرار .
وفي واقع الأمر أن ماحدث قد حدث؛ وقدر الله وما شاء فعل! فيتبقى أن نطرح السؤال المنطقي عن :ماذا أعدت الحكومة لمواجهة الخطر المحتمل القادم؟ وهل سننتظر وقوع كوارث أخرى؛ لنعقد الاجتماعات واللجان، واللجان الفرعية المنبثقة عن اللجان للبحث عن حلول؟ فالكارثة لاتحصد الأرواح فقط؛ بل تلحق الأضرار الجسيمة بالزرع والضرع؛ وترتفع بالخط البياني لأسعار الخدمات والسلع الضرورية لحياة الإنسان؛ وتنتهي بالشلل التام لحركة المجتمع وتوقف عجلة الإنتاج بالمصانع والمخابز؛ بانقطاع مصادر الطاقة والكهرباء وتوقف المواصلات بكافة أشكالها وتنوعها؛ علاوة على ماتعانية محطات المياه من محاولات جبارة لتنقية مياه الشرب من العكارة والشوائب التي أتت بها السيول؛ والتي تتسبب في الأمراض وحالات الوفيات المحتملة إذا ماامتزجت بنسبٍ عالية في مياه الشرب .
ولعلنا نكون قد استخلصنا الدروس المستفادة والتجارب المهمة من هذه الكوارث الطبيعية؛ للبدء في إعداد آليات المواجهة لإدارة الأزمات؛ والتوعية الواجبة لسكان المناطق المعرضة لضربات الأعاصير والسيول؛ فمنذ آلاف السنين استطاع العالم والمهندس في حقبة الفراعين العظام؛ أن يتحكموا في مجرى النهر ويطلبوا من الشمس في السماء أن تتعامد على وجه رمسيس في يوم مولده ويوم جلوسه على العرش !! فهل لانستطيع اليوم بكل التكنولوجيا الحديثة أن ندير الأمور في وقت الأزمات والكوارث ؟
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





