مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : الديكتاتوقراطية و الديموقتاتورية !!

تخيَّل أنك تسير على “حبل ” يصل بين ناطحتي سحاب؛ ومطلوب منك العبورإلى الطرف الآخر؛ ممسكًا من المنتصف “عصا التوازن” الشهيرة التي نراها في مضمارالألعاب الرياضية، حتى لاتسقط ، ولنتخيل أيضًا أن نقوم بإطلاق اسم “الديموقراطية”على طرف؛ واسم “الديكتاتورية” على الطرف الآخرمن العصا! وهذه تمامًا صورة أقرب إلى الحقيقة لمن يتولى “القيادة” في أي موقع؛ يستوي في هذا قيادة مؤسسة أو جماعة أو فريق رياضي أو وزارة .. أو حتى “دولة”! وهنا .. سيكون عليك بدايةً قياس الزمن والمسافة وموقع الخطوات وسرعة الرياح واتجاهاتها وحرارة الطقس ومدى تأثيرها على قراراتك المصيرية؛ للعبور سالمًا غانمًا إلى الطرف الآخر، فهو ليس خطًا رسمته بالطباشيرعلى الأرض؛ لتعلن الشجاعة والبطولة والنجاح في القدرة على اجتيازه . من الطبيعي والمنطقي .. ستكون رحلتك ـ طالت أم قصرت ـ هي التأرجح بين هذا وذاك؛ وبالتأكيد ستمارس كل الحرص والحيطة والحذرقدرالإمكان للمحافظة على وجودك في المنطقة “الوسطية”؛ لتصل إلى بر الأمان، وليس معنى الوصول إلى الهدف بسلام؛ أنك نجحت تمامًا في عدم الميل هنا أو هناك، ولكن لابد أثناء رحلة العبورهذه؛ من بعض الهِنات بالانحرافات السلبية أوالإيجابية؛ وقد تقابَل بتوجيه اللوم والعتاب والهجوم، أو التصفيق الحاد والإعجاب ـ كلٌ بحسب قناعاته ومناصرته لهذا الطرف أو ذاك ـ من وجهة نظرالنظارة والمتابعين أنصارالطرف الذي ينتمون إليه، لتتم محاسبتك في النهاية على عدد النقاط التي أحرزتها يمينًا أو يسارًا.. والمدهش والغريب أن النظارة ـ والمتربصون ـ يبدأون في محاسبتك قبل الوصول إلى خط النهاية؛ لمعرفة واحتساب ما ” لَـكَ” وما “عليك” من نقاط أيجابًا أو سلبًا . تلك هي لعبة السياسة، وهذا قَـدَرْ من يتصدى ليكون “رائد فصيل” أو “كابتن فريق” أو “وزير” أو”حاكم” ؛ وهو يتعامل مع “رعية” مختلفة الميول والمشارب والتوجهات والقناعات العقائدية والثقافية والسياسية والأدبية .. وياله من قَـدَرْ ! وتعلمنا منذ نعومة أظفارنا بعض البديهيات الشهيرة؛ التي تتلخص في أن الديمقراطية: هي حكم الأغلبية الناتج عن الانتخاب؛ وفيه تتفق أغلبية قوى الشعب على من يمثلهم في الحكم؛ والمشاركة في وضع دستور يقنن الحياة السياسية للدولة؛ والديكتاتورية : هي حكم الفرد للدولة دون سواه؛ وهذا الفرد هوالذي يسن القوانين ويحدد سياسة الدولة، ولا مجال للاعتراض على أحكامه، والديكتاتور يكون محاطًا ببطانة قوية تحميه؛ وتكون قادرة على إسكات أي صوت يجاهر بالاعتراض أو إثارة القلاقل! والانحياز إلى هذه أو تلك؛ تشكِّل معضلة المعضلات أمام القائد، ولكن يتم الاختيارـ بالضرورة ـ بحسب الأرضية والمناخ السياسي السائد في المجتمع؛ ومدى التأثرفي زمن الفترات الماضية التي قد تكون خلفت وراءها التصدع والانشقاق بين الصفوف، وهنا .. لابد للقائد أن يلجأ إلى الحكمة في التعامل مع كل التيارات الحليفة والمناوئة، ليعلموا أن لـ “الدولة” يدها العليا والمهيمنة على مقدرات الأمور، ولا تقبل بتحكُّم فصيل أو جماعة على توجهات المجتمع والدولة، وأن لكل اتجاه في الحكم ـ أيَّا كان ـ أنيابًا وأظافر ! وحتى تتضح الصورة بكل أبعادها؛ أسوق مثالاً من داخل حياتنا في المجتمع المصري؛ الذي نشأ وتربى على القيم والجميلة؛ والمبادىء والمثُل العليا الرفيعة؛ واشتهر بالسماحة والطيبة الواعية بين شعوب الأرض، فنرى “سلطة الأب” وسطوته داخل محيط العائلة؛ وكيف يتصرف بكل القسوة الرقيقة والرقة القاسية؛ فيما لو جنح ابنًا من ابنائه إلى الانحراف أو العقوق؛ فإنه ـ على الفور ـ يشتد عليه لتعديل مساره، إما بحرمانه من الحصول على النقود، أو الخروج مع أصدقائه، أو الإقصاء عن البيت إذا لزم الأمر؛ حتى يحافظ على كيان وقوام العائلة من التشرذم والضياع . والقائد الحصيف هو من له القدرة على صنع الضفيرة المناسبة لنظام القيادة.. لاختيارأيهما أصلح لإدراة عجلة القيادة بكل الحنكة والاقتدار؛ والحيرة في الاختيار.. أيهما يختار : رحمة الديموقتاتورية .. أم بطش الديكتاتوقراطية ! وفي الحالين .. يبقى الولاء والانتماء تحت راية الوطن وقدسيتها ؛ ونردد مع الشاعر: عَـلَمي المقدَّس .. ياعَلَم : رغم الألم .. أنا تحت ضِلَّك .. باعترف إنَّك غطايا .. وفرشتي ، ومنين ماتنـدَهْ ندهتكْ .. أسبق إليك ، ومحبِّتي فوق احتمال قلبي الرهيف ، ولا عمر يوم كان مطلبي .. غيرٍ أنـول حرِّيتي .. قبل الرغيف !

 

أستاذ العلوم اللغوية ــ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى