د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : بالورقة والقلم .. مع نشأت الديهي

لا أستطيع البدء في تناول هذا البرنامج بالرأي قبل أن أنوِّه إلى أن صاحب فكرته ومقدمه الكاتب الصحفي والإعلامي نشأت الديهي؛ صاحب أشهر استقالة على الهواء لوَّح بها للأردوغان التركي، معليًا مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية؛ في سابقة فريدة من نوعها مقدمًا قدوة ومثلاً أعلى للإعلاميين الجُدُد، فليس كل من يطلون علينا على الشاشات غثاء؛ النماذج الطيبة ملء السمع والبصر لمن يعي، فقط نحتاج تعلم ثقافة التفاؤل والبناء لا الهدم .. وهاهو يقدم لنا برنامجًا رمضانيًا يحمل اسم “بالورقة والقلم “.. برنامجه المعتاد الذي يصطبغ بالصبغة السياسية ، إلا أنه قد ألبسه حُلة ثقافية تتناسب والشهر الفضيل نحَّى فيها السياسة جانبًا، إلا فيما تناوله من شخصيات لها باع فيها، فزخر بأعلام الفكر والفن والعلم والسياسة وأقطابهم بشكل مثير للاهتمام، مضيفًا إلى ورقته التي سجل فيها أهم ملامح الشخصيات المنتقاة بعناية؛ وقلمه الذي دوَّنها ليرويها لنا ،و أضاف الريشة والألوان التي تثقل ظهر رسام الكاريكاتيرالشهير”عمرو فهمي” في رسمته الكاريكاتيرية لنفسه التى أصبحت شعارًا يعرف به، فتناغمت خطوطه مواكبة للحكَّاء “الديهي” ؛ راسمًا بمهارة الشخصية موضوع الحلقة بخطوطه المتقنة وألوانه المبهجة، فتطل علينا الشخصية مجسدة بالكلمات والرسم؛ فتتكامل الصورة للمشاهد بطريقة شائقة تحقق له استجلاب المعلومات والمواقف الجادة والطريفة في مشوار حياتها دون عناء؛ بل بسلاسة منقطعة النظير استطاع كلٌ في مكانه إيصال معلومة ثقافية إلى شبابنا الذين ينقصهم الإحاطة برموز بلدهم، ويريدون أسهل السبل لتلقي العلم دون عناء فتح كتاب؛ أوالدخول في عوالم الكتب والمراجع ومصادر المعلومات .. والمتابع للحلقات طوال الشهر الفضيل على “اليوتيوب” يمكنه التحقق من كل هذا. ففي تناول شخصية النقراشي باشا؛ استطاع البرنامج بمهارة مذيعُه وتدقيقُه المعلوماتي ـ مع طاقم العمل بطبيعة الحال ـ أن يقول كلمة حق لتنصفه أمام التاريخ والوطن؛ ويلقي الضوء على الجوانب الإيجابية في حياته في حقبة مظلمة من تاريخ مصر، وشرح بالوثائق والمستندات والأفلام التسجيلية المتاحة؛ كيف قاد المعارك الضروس ضد الاحتلال الإنجليزي وعملاء الداخل من منظري الحركات العقائدية، وليدفع حياته ـ برصاصات الغدرـ ثمنًا لإيمانه العميق بقضايا التنوير والحرية . وكم كانت براعة “الديهي” في ربط حلقات التاريخ ببعضها البعض في سلسلة قوية متماسكة ، فعرض لنا بكل الوضوح والإضاءة ، عمَّن شاركوا”النقراشي” في الكفاح وذهبوا أيضًا ضحية الغدركأحمد ماهر باشا، والعديد من شباب المناضلين آنذاك . ويبدو أن الرصاصات الغادرة التي اغتالت “النقراشي”؛ لم تفرق بينه وبين من قاد معركة النصرفي سبعينيات القرن الماضي؛ فيد الخسة والندالة واحدة، والرصاصة العمياء لاتعرف إلى أين تذهب؛ فهي بلا مشاعرولا أحاسيس، تمامًا كمن يطلقها على الأجساد ليُخرس فيها صوت الحق الذي يواجه زيف الباطل وألاعيبه .. وكان هذا الحديث الرائع في حلقته عن الرئيس السادات، الذي ذاق الأمرِّين طوال حياته ـ وحتى قبل توليه الحكم ـ في محاولة استقطاب وتهدئة من يتاجرون بالدين والوطن، ليدخلوا في لُحمة ونسيج الوطن للوصول إلى المستقبل الأفضل والأنور، لكنهم ـ بجهلهم ـ رفضوا دعوته ؛ فاغتالوه في يوم ذكرى نصره الأكتوبري. واللافت ..هو الابتكارالجديد في هذه الوجبات الدسمة التاريخية؛ والخروج على النمطية التي تغلغلت في معظم البرامج التليفزيونية؛نجح ” نشأت الديهي” في خطف أذنيك للإصغاء إلى المعلومات التاريخية الموثقة؛ وخطف عينيك لزوايا شاشة العرض للاستمتاع بضربات فرشاة الفنان الكاريكاتوريست المبدع عمرو فهمي؛ وهو يجسد الكلمات ويترجمها إلى صورة مبهرة تكاد تنطق؛ للشخصية التاريخية صاحبة الحديث والحدث؛ فتجتمع النشوة بالعين والأذن في آن معًا. وهل توجد بعد هذا متعة للعين والأذن والروح والعقل والحكايا والتاريخ .. والحقيقة ؟! ولن يتسع المجال هنا للحديث باستفاضة عن الشخصيات التاريخية المصرية ـ الذين تلامس مع حياتهم هذا الحكَّاء الماهر ـ من رجالات الفكركفارس التنويرالشيخ محمد عبده؛ ولا عن أقطاب السياسة كالزعيم سعد زغلول ومصطفي النحاس وصناديد حزب الوفد القديم؛ ولا عن أهل الفن والمسرح مثل نجيب الريحاني وفؤاد المهندس؛ ولا عن أم كلثوم؛ تلك القروية العبقرية التي أحدثت ثورة في عالم الغناء في مطلع عشرينيات القرن الماضي ـ وربما إلى اليوم ـ وأبت إلا أن تكون كوكبًا ساطعًا وسط مجرة النجوم في ذاك الزمان أمثالك موسيقارالأجيال محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وزكريا أحمد؛ ولتفتح لها طاقة القدر وتُمنح ثلاثة جنيهات في أول حفل لها في بيوت أحد وجهاء هذا العصر. والشخصيات التي تناولها بكل الصدق والإبداع كثيرة ومتعددة .. باذخة الأحداث والمواقف التي يجب أن يتلامس معها الجيل الحالي من الشباب ؛ ليعرفوا قدر من صنعوا الإرهاصات في عالم السياسة والفن والأدب . ولا يفوتني أمام كل هذه الروعة في تناول التاريخ وشخصياته الفارقة بهذا الإدهاش الجديد علينا؛ إلا أن أوجه دعوة لأن تكون الحلقات ضميمة بين دفتي كتاب أو كتيب يسهل تداوله .. والتوصية بتخصيص حلقة اسبوعية كاستراحة محارب من طبيعة البرنامج السياسية على مدار الاسبوع؛ مع العمل على إنضاج الفكرة باستضافة مؤرخين أو أقارب للشخصية ـ إن وجد ـ حتى تتنوع مصادرالمعلومات ويتم التوثيق بالصوت والصورة، فهما أخلد على مر الأزمان والحقب . وختاما ، بقلمي أدون اعجابي وبورقتي نثر حبري المعبق بالفخر بالوطنيين من الإعلاميين في بلادي؛ الذين يبحثون دومًا عن “الدرر” لتزيين جِيــد إعلامنا المصري .
أستاذ العلوم اللغوية ــ أكاديمية الفنون





