مقالات

د.ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز : حتى الشياطين ذكور !!

كان الإنسان الأولطبقا للأساطير اليونانية -مركبا بيولوجيا موحدا ، أي مخنثا لا ثنائي الجنس، و بذلك فلم يكن الانفصال بين الذكر و الأنثي طبيعيا ،بل ناتجا عن كيد حاكته ضد الإنسان إلهة الكراهية بأن شطرت جسده شطرين بحيث صار كل منهما فردا كاملا، و أصبح الشطر الحاصل علي الدماغ ذكرا ، و أصبح الآخر أنثي.و جرت الأقدار بأن يسعي كل منهما بحثا عن التكامل مع الآخر بهدف استعادة الوحدة الأصلية بينهما، و بدلا من تحقيق هذا التكامل في الحقيقة فيعود الإنسان مخنثا كما كان ،فقد أصبح اجتماعهما ممكنا فقط بفعل إعجازي أو بإلهام من إلهة” الحب” ذلك الساحر الذي سيتمكن في النهاية من دحر الشرور و الكراهية الناتجين عن الانقسام المصطنع القديم.
و كان من آثار تلك القسمة البيولوجية للبشر إلي ذكور و إناث ترسيخ ما يسمي الآن بالتمييز الثقافي بينهما ؛ أي أن انفصالهما الذي بدأ علي شكل انشطار أفقي نتج عنه فقط شخصان متجاوران و بالتالي متكافئان في السلطة ،قد تحول إلي قسمة رأسية تؤكد علي سلطة الذكر علي حساب الأنثي ، و كانت البداية أيضا مع المجتمع اليوناني إذ جعل المرأة في مصاف العبيد برغم أن المجتمعات الزراعية غالبا ما كانت تعتمد علي النظام الأمومي الذي قامت فيه المرأة بدورين: الأرض بخصوبتها من جهة ،و المحراث بوصفه أهم وسائل الانتاج من جهة أخري.و بذلك لم يتبق للمرأة من دور تلعبه في مضمار البطولات التي تفردت بها الحضارة اليونانية، أعني مضمار التنظير المجرد، و كان ذلك من أهم أسباب سقوطها في أيدي الرومان؛ لاحتقارها قيمة المرأة، و مع تهوينها من شأن الأعمال اليدوية، فقد انحصرت أنوثة المرأة في صورة ديونيسوس إله الخمر و العربدة في مقابل قوة ذكورة أبوللو إله الشعر و الحكمة و الجماليات.
و كان أعلي لقب حازته الأنثي آنذاك هو لقب أفروديت إلهة الحب و الجمال التي تحولت عند الرومان إلي اسم فينوس ، أو عشتار حسب التسمية البابلية.
و لما كانت اللغة تمثل طريقة تفكير متكلميها و خزينة ثقافتهم فإننا نلاحظ أن اللغة اللاتينية (لغة الرومان) و اللغات الهندو-أوربية كالإنجليزية و الفرنسية و الألمانية مثلا،خصصت ضمائر شخصية لغير العاقل، أو المحايد جنسيا ،و هو نوعان:المخنث ،و بالتالي المتعادل جنسيا (مثل الذرة المتعادلة كهربيا لتساوي عدد الالكترونات مع عدد البوزوترونات بها) و المجرد من جميع صفات التذكير و التأنيث مثل الله و الملائكة فضلا عن الجوامد.
و بذلك تكون هذه اللغات قد تركت الباب مفتوحا لمتحدثيها كي يعيدوا التصنيف بناء علي المستجدات من معلومات أو وقائع.
و علي العكس من ذلك نلاحظ إسراف اللغة العربية في اصطناع كل صيغ التمييز بين المذكر و المؤنث ،بداية من الضمائر الشخصية و انتهاء بعلامات التأنيث في الأفعال و الأسماء و الصفات…، و المهم هو أنها تنظر للتذكير علي أنه هو الأصل و تجعل التأنيث فرعا له.و مع ذلك يمكننا وصف الذكر بصفات أنثوية و العكس لو أردنا إظهار المبالغة في الوصف كأن نقول:رجل فهامة، و امرأة عقيم.
و قد ارتبطت الذكورة بالقوة و التفوق علي الأنوثة: ففي الأسماء المعنوية نجد أن الوجود و العدم (مثلا) مذكران للتعبير عن أصل الأشياء و فنائها.كما نجد الحياة و الأرض مؤنثين للدلالة علي الولادة و الخصوبة. و برغم أن السماء مؤنث لغويا فإنها مذكر معنويا؛ لأننا نتخيلها ذكرا يقوم بعملية تلقيح الأرض للإنبات.
كما تدل أسماء الشهور و الأيام عند العرب علي نزعة ذكورية طاغية، فحتي الأيام التي جاءت بأسماء المؤنث (الثلاثاء،الأربعاء،الجمعة) يجوز تذكيرها بعكس شكلها اللغوي لانتهائها بألف ممدودة!
كما جاءت جميع الكواكب بأسماء مذكرة باستثناء كوكب الزهرة الذي اتخذ صفة الأنثي منذ القدم في صورة إلهة الجمال و ذلك لشدة لمعانه لأنه الأقرب إلي الشمس،و كذلك تعد الأرض أنثي لأنها منبت الإنسان من جهة، كما تعبر عن التربة الزراعة من جهة أخري. و أيضا الشمس أنثي لأنها مصدر الحياة علي الأرض، و هي أيضا مذكر بصفتها إلها معبودا؛فهي إذن أنثي معطاءة و بالتالي حازت لقب الألوهة عن جدارة خاصة عن المصريين، و هكذا تكون اللغة مرآة للثقافة.
و بالرغم من شهادة التاريخ علي سيادة النظام الأمومي في بعض القبائل، ذلك الذي تشكل فيه الأم مركز الثقل في النظام الاجتماعي بدلا من الأب (خاصة في المجتمعات الزراعية) فإننا لم نشهد حضارات أمومية.كما لم تشغل المرأة منصب رأس الدولة إلا قليلا، و كان ذلك بمناسبات عارضة، فلم تنجح النساء ببطولتهن الشخصية في احراز الملك؛ لما يتطلبه ذلك من بأس في الحروب. و لذلك كان ملكها إما بالوراثة أو بالزواج أو لكونها أرملة أو عشيقة لملك آخر يملك تهديد عرشها فعلا أو بالاحتمال، و لنا في شخصيات نفرتيتي و شجر الدر و كليوباترا و بلقيس أمثلة علي ذلك.
و تاريخيا أيضا :كان حظ النساء من المواهب العقلية بالقدر نفسه:فلم يصلن في صناعة الشعر إلي غزارة أو إجادة الذكور، كما لم تكن الفلسفة يوما من أعمالهن إلا النذر اليسير، و لم تكن النبوة فيهن أبدا: فحتي مريم العذراء لم تكن يوما نبية برغم كونها أم الإله في المسيحية.
و من المؤكد أن الثقافة العربية جاءت متأثرة بالتراث الديني الإبراهيمي ذي الطابع الشرقي في نظرته إلي المرأة عن طريق اللغة السيريانية بوصفها أصل اللغات الشرقية.
و بناء علي هذه النزعة التمييزية الجنسية الصارمة التي تتمتع بها اللغة العربية فإنها لا تملك صيغا للكلام عن الله نفسه إلا بصيغة المذكر، و كذلك الأمر بالنسبة للشيطان؛ برغم أنه رئيس قبيلة من الذكور و الإناث(و لكن الثقافة الاجتماعية لدي اليهود ربما كانت مصدرا للاعتقاد السائر بأن الأنثي ممثلة في حواء – دون آدم – هي سبب شقاء البشر ،و لكن القرآن يسوي بينهما في المسئولية)،و هو ما ينطبق أيضا علي الملائكة الذين استنكر الله وصفهم بالإناث برغم أنهم ليسوا ذكورا أيضا.
و السؤال الآن هو عن مصدر هذا التمييز ضد المرأة في جميع الحضارات ، و هل هو الأديان بوصفها الجانب الأكبر من الثقافات؟
و ما أكثر المحاولات التي سعت لتفسير هذه الظاهرة العالمية مع تفاوت في درجة الظهور، و لكنها كانت في مجملها مفتقرة إلي السند العلمي الموثوق الذي يؤكد علي أن البطولة الحربية تمثل أعظم قيم الحياة علي الأرض، و ان الله نفسه يعتبر المثل الأعلي لها في السماء، و لذلك فإن قيمة التسلط تتغلب علي جميع القيم في المجتمع ، و منها تنبع هذه الحياة و بها تضمن الاستمرار، و لما كان ذلك مقررا علي المستوي النفسي أيضا حيث تستمر حاجة الإنسان إلي الأمن بقدر حاجته إلي الغذاء، و لما كان ذلك مرهونا بالقوة الذكورية ،فإن لهذا التمييز أصلا بيولوجيا لا ينكر، و لا يمكن للثقافات أن تتجاوزه كليا بل جزئيا.و ليس أدل علي ذلك من شدة قلق كل أم علي ذكورة ابنائها(و هي قيمة بيولوجية)ربما أكثر من حرصها علي رجولتهم باعتبار أنها مجرد قيمة أخلاقية! و لذلك فإن كل المجتمعات و في جميع الحضارات تكاد تقدس قيمة الذكورة (تأمل عبادة بعض القبائل لأعضاء الإخصاب، و الذكورة بخاصة)،و لو علي حساب قيمة الرجولة! و من هنا كانت أهمية عنترة برغم دمامته و عبوديته علي حساب عبلة برغم جمالها و حسبها.و هي الأهمية نفسها التي أولاها الرومان للمشتري أضخم الكواكب فأعطوه اسم جوبيتر إله الحرب علي حساب كوكب الزهرة الذي أصبح اسمه فينوس ،أي إلهة الجمال.فلما كان الملك قائما علي التغلب و القهر، و كانت الهرمونات الذكرية(الإندروجينات) هي لغة الكيمياء للشجاعة و الإقدام فإن كل سلطة تصدر عنها.
فلا حيلة إذن للثقافة في أن تفرض المساواة بين الجنسين ؛ و كل ما يمكن فعله هو تحقيق العدالة بينهما، بأن توجه كلا منهما إلي العمل طبقا لقدراته و مؤهلاته ، و ستبقي المسألة فردية و خاصة و ليست نوعية، و لذلك يبطل كل تعميم، و خاصة كل حكم مسبق بأفضلية نوع علي نوع، فالحكم الآن سيكون عن درجة تميز هذا الشخص أو ذاك(سواء أكان ذكرا أم أنثي) علي الآخر و بالتالي عن مدي صلاحيته لتقلد هذا المنصب أو أداء هذا الدور أو شغل هذه الوظيفة.و في ذلك فليتنافس المتنافسون!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى