بورسعيد الباسلة حكاية نضال في كل محطات التاريخ .. ما من موقف وطني مصري يخلو من الحدث البورسعيدي الداعم له حتى وهم يمارسون رياضتهم المفضلة بل والرياضة الشعبية الوحيدة التي من شأنها أن تجمع بورسعيد في موقع واحد في توقيت واحد برغبة واحدة في الفوز .
وإن أردت أن تستشعر معني التوحد الحقيقي فأذهب إلي بورسعيد في توقيت يلعب فيه ناديهم الرياضي المصرى في أحد النهائيات حتى وإن لم يكن الفريق يلعب علي أرضه فستجد الجمهور يصطف في المدرجات يتابع ويشجع بصيحات تهتز لها المدينة الباسلة ولا يتأثر الحماس في التشجيع حتى ولو كانت المتابعة من خلال شاشات في أرضية الملعب يلتفون حولها في مدرجاتهم وكأنهم يحتضنوها في رمزية لإحتضان الفريق حتى لو كان ما يفصلهم عن الملاعب التي تقام بها المباريات فعليا مئات الكيلو مترات .
قصة مدينة وقصة نادي وقصة ملعب …
أُنشئ النادي المصري عام 1920 وهو أول نادي أنشأه المصريون كشكل من أشكال المقاومة للإحتلال الأجنبي وليؤكد علي الهوية الوطنية وكان لزي النادي المصري رمزية خاصة في اللون حيث أستمد لونه من لون علم مصر وقت ثورة 1919 وهو اللون الأخضر ليكون في مواجهة الفرق الأجنبية في أرض الملعب بلون علم مصر اعتزازا به .
أما عن الشعار الخاص بالنادي فقد كان “النسر الأخضر” المستوحي من الحضارة المصرية القديمة وهو عبارة عن نسر باسط جناحيه لأعلى ويتوسط جناحيه كرة خضراء أعلى الرأس تعبيراً عن التحدي والسيادة والقوة ولازال يلقب المصري البورسعيدي إلي يومنا هذا بلقب النسور الخضر حتى بعد مرور 97 عام علي تأسيسه .
وأرتبط إسم النادي المصري في الأذهان بأغنية سيد درويش (قوم يا مصري .. مصر دايما بتناديك خد بنصري .. نصري دين واجب عليك) فكان الإنتماء والحماس لا يمثل فقط إنتماء رياضي ولكن ذهب إلي ما هو أبعد من ذلك مما رسخ في وجدان أهل بورسعيد علي إختلاف أجيالهم المعني الوطني من تشجيع ناديهم (المصــري) .
أما عن الملعب الرسمي للنادي المصري فقد تم تأسيسه عام 1953 وأفتتح رسمياً في أكتوبر عام 1955 بحضور حسين الشافعي وزير الشئون الإجتماعية بالنيابة عن حضور الرئيس “جمال عبد الناصر” ويشاء القدر أن أرض الملعب الذي يحمل الهوية المصرية في مواجهة الإحتلال الإنجليزي هو نفس الملعب الذي بعد عدة سنوات يضم ترابه رفات الأجداد ممن سقطوا غدرا في العدوان الثلاثي علي بورسعيد في عام 1956 حيث قام العدو بضرب المقابر دون مراعاة لحرمة الموت في موقف لا إنساني لم يسلم منه حتى الأموات في مقابرهم ولم يجد أبناء المدينة الباسلة حل إلا أن يقوموا بدفن الجثث مكان استشهادهم بشوارع بورسعيد وقد ضمت أرضية النادي المصري جثث لبعض ممن استشهدوا أثناء العدوان الثلاثي من انجلترا وفرنسا وإسرائيل وحسب ما روي لنا أهالينا من أبناء المدينة الباسلة ممن عاصروا العدوان الثلاثي علي مدينتنا الباسلة وأستمر الوضع علي ما هو عليه حتى قرر عبد اللطيف بغدادي (وزير شئون بورسعيد وقتها) نقل جثث الشهداء في معركة بورسعيد إلى مقابر جديدة بإسم (شهداء بورسعيد) ولازالت كرة القدم إلي يومنا هذا شاهدة علي أن أجدادنا هم أصل الحضارة الإنسانية في جميع المجالات حتى الرياضية وليس كما يروج له من أن أصل اللعبة يعود لآخرين فاللعبة الشعبية تعود إلى عصر أجدادنا القدماء حیث اكتشف الباحثون وجود كرات مصنوعة من الكتان وبعضها صنع من جلود الحیوانات في مقابر المصریین القدامى وبناء على الرسومات التاریخیة وعلماء الآثار فقد لعب المصریون الكرة في ذلك الزمن .
وقد ذكر المؤرخ الإغریقي هیرودوت عندما زار مصر عام 460 قبل المیلاد إنه وجد الصغار یلعبون بكرة مصنوعة من جلد الماعز أو القش و یحاولون تسجیل الأهداف عن طریق الوصول إلى خیط مربوط بین عمودیین .
إنها عظمة المصــــــري قديماً وحديثاً كانت ولازالت وستظل باقية ما بقي الزمان تستدعي الماضي لتمنحنا تجاربه في الحاضــر ليلهمنا وينير لنا الطريق إلي المستقبل . فهل لنا بعد كل ما ســــــبق أن تقوي أيدينا يوماً ما علي هدم رمز يحمل لنا الكثير من المعاني أو حتى استبداله بأخر لتموت رمزيته في وجدان الأجيال الجديدة ممن لم يعاصروا أحداث الماضي ؟؟
زر الذهاب إلى الأعلى