في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، والتي خلَّفت دمارًا واسعًا وأزمة إنسانية حادة، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى طرح فكرته المثيرة للجدل: السيطرة الأمريكية على القطاع وتحويله إلى ما أسماه “منطقة حرية”. جاء ذلك خلال زيارته الأخيرة إلى قطر، حيث أكد أن الولايات المتحدة ستكون “فخورة بامتلاكها غزة” لتحويلها إلى منطقة آمنة ومزدهرة، وفق تصريحات نقلتها عدة وسائل إعلامية.
تفاصيل المقترح الأمريكي
ترتكز خطة ترامب على فكرة تحويل غزة -التي وصفها بـ”أرض الموت والدمار”- إلى منطقة حرة ذات إمكانيات اقتصادية وسياحية، مشيرًا إلى موقعها الساحلي المميز على البحر الأبيض المتوسط. وأوضح أن الهدف هو “إعادة الإعمار” وإنشاء ما يشبه “ريفييرا الشرق الأوسط”، مع تركيز على تطوير البنية التحتية وإنشاء موانئ دولية لجذب الاستثمارات . كما أشار إلى أن هذه الخطوة قد تشمل إعادة توطين الفلسطينيين خارج القطاع، وهو اقتراح سبق أن قوبل برفض عربي ودولي.
خلفية الفكرة وتطورها
تعود جذور هذه الخطة إلى فبراير 2025، عندما أعلن ترامب خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن نيته جعل غزة “منطقة أمريكية”، مستندًا إلى تقارير مبعوثيه الذين زاروا القطاع ورأوا الدمار الهائل. وصف مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، غزة بأنها “غير صالحة للسكن” بسبب انهيار المرافق الأساسية وانتشار الأمراض، مما دفع ترامب إلى تبني فكرة إعادة البناء كحل جذري .
لكن الصحف العالمية أشارت إلى أن الفكرة لم تُناقش بشكل موسع مع الحلفاء أو الخبراء، بل جاءت كـ”مبادرة فردية” من ترامب، ما أثار استغراب مسؤولين في إدارته.
الردود الدولية والانتقادات
1. رفض عربي ودولي: واجه الاقتراح الأمريكي انتقادات حادة من دول عربية وأوروبية.
رفضت مصر والأردن فكرة نقل الفلسطينيين إلى أراضيهما، مؤكدين أن الحل يجب أن يكون ضمن إطار الدولة الفلسطينية.
كما هاجمت ثلاث دول أوروبية (من بينها إسبانيا) المجازر الإسرائيلية وحذرت من خطط التهجير.
2. مخاوف إنسانية: حذرت الأمم المتحدة من تفشي المجاعة في غزة، ووصفت الرد الإسرائيلي بأنه “غير متناسب” و”يؤدي إلى إبادة شعب” .
كما أشارت منظمات حقوقية إلى أن خطط ترامب قد تُسهّل “تطهيرًا عرقيًا” مُمنهجًا.
3. تشكيك في الجدوى: وصفت صحف مثل “واشنطن بوست” و”تايمز” الخطة بأنها “غير واقعية”، خاصة في ظل رفض المجتمع الدولي وتعقيدات الأوضاع الجيوسياسية. كما شككت في إمكانية تحويل غزة إلى منطقة سياحية دون حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
السياق الإقليمي والدور الإسرائيلي
تزامنت تصريحات ترامب مع تكثيف إسرائيل لغاراتها على غزة وتعثر المفاوضات لوقف إطلاق النار. من جهته، أعلن نتنياهو عن خطط لـ”إدارة تهجير” الفلسطينيين، مدعيًا أن أكثر من 50% منهم سيغادرون إذا أُتيحت الفرصة . هذا الدعم الإسرائيلي للخطة الأمريكية يهدف إلى عزل حركة حماس وتقويض المطالب الفلسطينية بحق تقرير المصير، وفق تحليلات.
التداعيات المحتملة
– اقتصاديًا: قد توفر الخطة فرصًا للاستثمار في البنية التحتية، لكنها تعتمد على تمويل دولي غير مضمون.
– سياسيًا: تُعمِّق الفكرة الانقسامات الدولية، خاصة مع تزايد الضغوط على الأردن ودول عربية أخرى لقبول اللاجئين.
– إنسانيًا: يُخشى أن تؤدي الخطط إلى تفاقم معاناة المدنيين، خاصة مع استمرار الحصار الإسرائيلي ومنع وصول المساعدات.
الرآي العام
بينما يرى ترامب في خطته “حلًا مبتكرًا” لأزمة غزة، تبدو التحديات جسيمة: من رفض دولي إلى تعقيدات على الأرض.
يبقى السؤال: هل تُعتبر “منطقة الحرية” مشروعًا للسلام أم مجرد ذريعة لتنفيذ أجندات سياسية تُفاقم الصراع؟ الجواب قد تحسمه الأيام القادمة، لكن الواقع الحالي يشير إلى أن غزة ما زالت تُدفع نحو الهاوية، بين دمار الحرب ووعود إعادة الإعمار.
زر الذهاب إلى الأعلى