د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : كيفية التعايش مع الآلام !!

هل شطح بك خيالك في لحظة تأمل لاستعراض شريط ذكريات حياتك ؟ بالتأكيد حدث لك هذا مرات عديدة، وفي ثنايا تلك الشطحات تتناوبك أحاسيس ومشاعر متباينة؛ تتأرجح بين الرضا والقنوط والسعادة والحزن، والحبور والألم، فشريط الذكريات يحتوي على المواقف التي مرت بك خلال سني حياتك الماضية؛ وسنتوقف كثيرًا عند الإحساس بالألم؛ فهو مايعنينا في سباحتنا معًا في بحر الأحداث الموَّارة في حياتنا اليومية ونتائج الاحتكاكات المتواصلة بعالم البشر من حولنا، فالألم عادة هو إحساس أو شعور سلبي بالتعاسة والمعاناة؛ وقد يكون ماديا أو معنويا بحسب العوامل التي تسببه فقد يكون نتيجة إحساس أو شعور، فالمادي مثل مايعتري الجسم من أوجاع وأمراض ؛ والمعنوي مثل الأمراض النفسية التي تجتاحنا وحالات الكآبة والحزن والقلق والتوتر، والإحساس بالألم يختلف من شخص إلى آخر بحسب العوامل الوراثية، وبشكل عام فالعلم يقول : إن المرأة تشعر بالألم أكثر من الرجل نتيجة لأن جسدها يحتوى ضعف ما يحتوبه جسد الرجل من الألياف العصبية مما يجعل إحساسها بالألم أقوى ولمدة أطول، ووظيفة الألم هي التنبيه بوجود مرض معين أو خلل في الجسم، ولكن قد يكون الألم في حد ذاته مرضًا عندما يستمر بعد الشفاء من المرض العضوي، ويوجد عدة طرق للحد من تأثير الألم منها استخدام التخدير أو مسكنات الألم بالأعشاب أو المواد الطبية الكيميائية .
فالخالق الأعظم سبحانه وتعالى وضع في تجاويف الدماغ الكثير والعظيم من الأسرار، ومازال العلماء يجاهدون لاكتشاف تلك الأسرار وحل الألغاز التي تحيط بالدماغ الإنساني، ولعل أهم تلك الأسرار القدرة والقوة الذهنية في كيفية التعايش مع اﻵلام بالتحكم فيها أوبالتخلص منها أو التكيف معها ، فقد وجد العلماء أن أي شعور بالألم سواء كان بدنيًا أو نفسيًا يبدأ من الدماغ وينتهي إليها، وأن هناك فروقًا فردية في الدماغ تجعل الإحساس بالألم يختلف من شخص لآخر، وقد تتعدد الطرق والأساليب غير الدوائية للسيطرة على الألم وعلاجه سواء بـ “الاسترخاء الذهني” أو “اليوجا ” أو “الإيحاء والتنويم المغناطيسي” التي يمكن معها تنمية القدرات الذهنية ذاتيًا لتحمل الألم .
ويوضح أحد أساتذة الطب النفسي بجامعة تكساس بالولايات المتحدة الأمريكية ـ بتصرف ـ أنه يوجد علاقة وثيقة بين الألم العضوي من جهة والألم النفسي والتعرض للاكتئاب والقلق والأرق من جهة أخرى، وأنهما يزيدان من تعقيد الألم وصعوبته، وأن أعراض القلق والاكتئاب تسبق الإحساس بالألم لدى 3 من كل 4 أشخاص، ولعلاج هذه الحالات المحتملة يجب على المرء الانخراط في العلاقات الحميمية الأسرية والمجتمعية، وممارسة الأنشطة الترويحية والرياضية، وتنمية مهارات الهوايات الفنية والأدبية كالرسم والنحت والموسيقا والغناء والشعر والقراءة، لتجنب وتقليل مخاطر الضعف العام وزيادة الوزن المصاحب لبعض حالات الاكتئاب؛ بعيدًا عن تناول العقاقير والمثبطات الدوائية التي غالبًا ماتعود بالضررعلى صاحبها .
وهذه دعوة للجميع للابتعاد عن العقاقير الدوائية الكيميائية؛ فليست هي الملاذ الأفضل أو الوحيد لمكافحة الألم ، فقد أثبتت أساليب الاسترخاء فعاليتها في تقليل الشعور بالألم ، وممارسة النشاط البدني بانتظام مع اتباع نظام غذائي متوازن، واقتناص الساعات المفترضة من النوم ، وبهذا أعتقد اننا سنكون قد نجحنا في “إدارة الألم” وتحايلنا على التقليل من الشعور به ، وعلي كل منا أن يكون طبيب نفسه بالمراقبة المستمرة لمسببات الآلام العضوية والنفسية .. حينئذٍ سنقول وداعًا لزيارة عيادات الأطباء للعلاج الدوائي أو النفسي والعصبي .
إذن مايعنينا في هذا الصدد؛ هو التنبيه إلى ضرورة التكيف مع هاجس الألم إذا ماهاجم “الدماغ” وسيطر عليها وبخاصة الألم المعنوي؛ فالمشكلة تكمن في أن هذا الألم سينتقل إلى كل من حولك من أفراد، سواءً أكان في محيط عائلي أم بيئي يتشكل من أصدقاء وزملاء في الدراسة أو العمل، والمفاجأة من سيلتقط “كتلة الألم” ؟ فحينها ستكون ككُرة الثلج تكبر وتكبر وتتدحرج وتنتشر؛ لتصل إلى كل من لديه الاستعداد ـ في محيطك ـ للاستسلام لمفعول الألم؛ ويغدو الجو المحيط بيئة حاضنة قابلة للإنهيارتحت وطأة هذا الإحساس الوهمي؛ بل يتحول الجميع إلى متذمرين محبطين، لايرغبون في الخروج من هذه الدائرة المغلقة، وللأسف نجدهم بكثرة في مجتمعاتنا يعيشون ويعايشون التشاؤم والحياة على هامش الحياة بالاتكالية والاستسلام، وقد يؤدي هذا إلى الدخول من بوابة عالم “الاكتئاب” بدرجاته المتفاوتة إلى الأبد .
ولكن هذا لن يتأتى بين ليلة وضحاها؛ فلابد لكل فرد أن يمارس المعالجة الحكيمة في مواجهة ضغوط المتطلبات الحياتية؛ وعدم الشكوى المستمرة من ضيق ذات اليد، أو الركض خلف حلم المكاسب الوهمية التي تحقق ـ من وجهة نظره ـ طموحاته الكبرى له ولأولاده وأسرته، وعليه الابتعاد عن كل مايخلق المشاكل المستعصية على الحل؛ أو الدخول في منافسات غير منطقية أكبر من قدراته العلمية أو الذهنية أو الجسدية، ليعض على أصابعه ندمًا في حال الفشل، وعلى كل إنسان أن يعرف مدى قدرته وقدراته داخل مجتمعه، ليصبح نهر الحياة رقراقًا ينساب بقارب حياته إلى بر الطمأنينة والأمان، دون أمواج عاتية أو جلاميد صخور تعرقل مسيرته؛ وحتى لاتصبح “اﻵﻻم” الجسمانية والمعنوية ؛هي رفيق دربه حتى نهاية الأجل المحتوم وقد أهدرت أجمل سنوات العمر في معاناة أفسدت عليه الاستمتاع بمباهج الحياة لافتقاد مهارة التعايش السلمي مع ابتلاءات يختبر بها الله قوة إيمانه .
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون





