منى أمين تكتب لـ الأنباء نيوز : ضحايا مركب الموت بين مطرقة البطالة والظروف الإقتصادية وسندان مافيا الهجرة الغير شرعية

تعيش البلاد حالياً حالة من الحزن العام بسبب الحادث الذى هز الرأى العام بأكمله وأوجع قلوبنا جميعاً وهو حادث غرق مركب الموت بمدينة رشيد بمحافظة البحيرة والذى خلف العشرات من الجثث وبعض الضحايا لايزال مصيرهم مجهول أسفل المياه وهو المصير الأسود. هؤلاء تركوا منازلهم وأحضان أسرهم وبحثوا عن سٌبل الحياة الكريمة والآدمية فى دولة أخرى بعد أن يأسوا فى بلادهم بسبب فشلهم فى الحصول على فرصة عمل تضمن لهم حياة آدمية وليست ترفيهية ومعظمهم شباب كان يأمل فى العمل والزواج وكذلك آباء تركوا أطفالهم وزوجاتهم بحثاً عن لقمة العيش .
لكن هيهات تحطمت أحلام البسطاء على صخرة الموت ,حيث وقعوا فى براثن تٌجار الموت وهم مافيا الهجرة الغير شرعية الذين لعبوا على طموحات وأحلام الضحايا وتلاعبوا بهم وبمصائرهم وأوهموهم بقدرتهم على تسفيرهم خارج مصر بمبالغ بسيطة ودون التقيد بالإجراءات المٌعقدة وانتظار التأشيرات والسماح لهم بمغادرة البلاد . وسريعاً ما رضخ الضحايا وأسرعوا لجمع كل مايملكون من حٌطام الدنيا وهرعوا إلى سماسرة تٌجار البشر ومنحوهم ثمن إزهاق أرواحهم .
وظل كل شاب وكل رب أسرة يحلم ويٌمنى نفسه وأسرته بحياة كريمة وأوضاع آدمية وبات الغلابة البسطاء ينتظرون ساعة الصفر وهم لايعلمون بأنهم ذاهبون إلى الجحيم بإرادتهم وتحت ضغط ووطأة حياة صعبة وهرباً من ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتدخل الوساطات والمحسوبيات أسرعوا يستقلون مركب الموت ,ولكن ساعات قليلة فاصلة بين الحياة والموت غرقت المركب وغرق معها البسطاء والغلابة وتحطم كل شئ على صخرة الموت وضاعت معهم آمالهم وأحلامهم وخلفوا ورائهم أمهات ثكالى وأطفال أيتام وعائلات تبكى قلوبها دماً حسرة على فقدان فلذات أكبادهم وآبائهم وأحبابهم .
وجلست الأسر المكلومة على شاطئ الجحيم تنتظر جثث أورفات أوأشلاء ذويهم وهم يعتصرون ألماً وسط لحظات عصيبة وصعبة ومٌرعبة ولسان حالهم يقول ” ياريت ابنى ولازوجى ألاقيه طالع ولاراجع ” ولكن حدث ماحدث وشاءت الأقدار أن تشهد مصر هذا الحادث المروع الذى يتكرر مراراً وتكراراً . وبكل أسى وأسف لم تستطيع الدولة مواجهة مافيا الهجرة الغير شرعية ولم تبحث عن آليات تٌقنن من هذه الأوضاع .
وتركوا هؤلاء البسطاء صيد ثمين للمرتزقة من سماسرة الهجرة الغير شرعية . الشباب والآباء تركوا بلادهم وديارهم بحثاً عن حياة كريمة بعد أن تفاقمت الأوضاع من غلاء فاحش وارتفاع للأسعار وعدم تكافؤ الفرص وتفاوتها ,فمن يمتلك واسطة أو محسوبية أو نفوذ يعتلى منصباً أو يحصل على وظيفة تٌدر عليه عائداً يضمن له ولأسرته حياة كريمة تٌجنبه ذٌل السؤال .
وحتى لا نضع المسؤولية بأكملها على الدولة يقع على عاتق البعض من راغبى السفر جزء من المسؤولية وهو الوعى والعبرة بما حدث فيما قبل لعدد كبير من الضحايا ذهبوا ضحايا لمافيا الهجرة الغير شرعية ,فيجب على راغبى السفر عدم الرضوخ لهؤلاء من مصاصى الدماء وسماسرة الموت والاستماع لصوت العقل ,فرغم ضيق ذات اليد وضنك الحياة يجب التٌحمل حتى يظلوا فى أحضان أسرهم . ليت كل الدولة بكل أجهزتها ومؤسساتها ومنظمات المجتمع المدنى والمنظمات الحقوقية يتكاتفون جميعاً من أجل إنقاذ الشباب اليائس الذى فشل فى الحصول على لقمة العيش والحياة الكريمة . على الأقل تدبير فرص عمل تليق بهم وتوفر لهم حياة آدمية ,تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية ,تكافؤ الفرص ,القضاء على المحسوبيات والرشاوى والوساطات ,إبعاث الأمل وخلق بصيص من النور بين الشباب . ووضع آليات تحد من السفر بطرق غير شرعية ,البحث عن سماسرة الموت ومافيا الهجرة بطرق غير قانونية ورسمية والقضاء عليهم . حتى نحد من الدماء التى اختلطت بمياه البحروخلفت ضحايا بالعشرات وتركت منازل كثيرة مظلمة يسودها الحزن ويكسوها السواد حٌزناً على فراق أعز الأحباب وفلذات الأكباد . أتذكر أحد أقارب عدد من الأطفال والشباب بإحدى القرى بالشرقية قالى لى : بأن أبنائهم شاهدوا أحد الشباب العائد من دولة إيطاليا وهو يستقل سيارة فارهة ويرتدى أغلى الثياب ,وعلى الفور راوادتهم أحلامهم بأن يكونوا مثل أقرانهم وجيرانهم وهرعوا إلى تٌجار الموت ولكن تحطمت أحلامهم وفقدوا زهرة شبابهم .
ليت الدولة تٌعيد حساباتها من جديد وتٌنظر إلى الشباب الذى يأس من الحياة هنا وبحث عنها فى دولة أخرى حتى ولو على حساب فقد حياتهم بأبشع الطرق .
قد يكون الراحلين من الضحايا يعلمون بأن مصائرهم ستكون مجهولة أو الموت ولكنهم فضلوا ذلك على حياة مجهولة معدومة وسط ظروف قهرية تقتل طموحاتهم وأحلامهم . ياترى دماء وأرواح الضحايا فى رقاب من ؟! الظروف ,الدولة , سماسرة الموت كلها توازى جريمة اشترك فيها جميع الأطراف ورحل الشباب والآباء والسيدات والفتيات والأطفال وتركوا الدنيا بكل مافيها من معاناة ومآسى وظروف معيشية صعبة وذهبوا إلى الخالق الذى لايغفل ولاينام . وإذا ضاعت حقوقهم فى الدنيا يوجد الله عز وجل لاتضيع عنده الودائع والحقوق والجميع سيقف أمام الله يوم لاينفع فيه نفوذ ولا سٌلطة ولامنصب ولا أموال وسيسأله الله عن هؤلاء ودمائهم فماذا سيقولون وسيقدمون فى صحيفتهم للديان الذى لايغفل ولاينام .
هل ستنفعهم الأموال والنفوذ والجاه والسٌلطات ؟ لا لأن الفيصل بين الجنة والنار شعرة صغيرة . كذلك ترك الضحايا أسر مكلومة تبكى دماً ,وقلوبها تعتصر ألماً ويبحثون عن ذكرى أبنائهم وذويهم بين الجدران . أيها السادة اعلموا أن ساعة الحساب قريبة والأكفان ليس لها جيوب والقبر غير بعيد تذكروا الآخرة واتقوا الله فى رقاب العباد وارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء .





