إجتماعياتقراءمختارات الانباء نيوزمصرمقالات
أخر الأخبار

باسنت محمد تكتب لـ الأنباء نيوز: الضريبة على روح المجتمع ؟!

قضية تمس عمق المجتمع المصري وتلقي بظلالها على قيم التكافل والتضامن التي طالما شكّلت ركيزة للحياة الاجتماعية

لم تعد الزيادات المتتالية في الضرائب ورفع الدعم مجرد قرارات اقتصادية عابرة بل أصبحت قضية تمس عمق المجتمع المصري وتلقي بظلالها على قيم التكافل والتضامن التي طالما شكّلت ركيزة للحياة الاجتماعية. ومع تزايد الغضب الشعبي من ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود والمياه يزداد التساؤل:

هل يمكن للمجتمع أن يصمد أمام هذه التحولات دون أن يفقد إنسانيته؟

رفع الدعم عن البنزين والجاز والغاز انعكس مباشرة على أسعار النقل والمواصلات الأمر الذي أدى بدوره إلى قفزات كبيرة في أسعار الخضار والفاكهة واللحوم والأسماك والدواجن وحتى السجائر. ومع زيادة فواتير الكهرباء والمياه يجد المواطن نفسه أمام حياة يزداد ثقلها يومًا بعد يوم.

مؤخرًا، طُرح مقترح بزيادة الضرائب على المشروبات الغازية والنسكافيه “3 في 1” أو أي منتجات تحتوي على نسبة سكر مرتفعة على أن توجه الحصيلة إلى وزارة الصحة. وبينما يُسوّق القرار باعتباره خطوة لتحسين الصحة العامة إلا أن انعكاساته الاقتصادية قد تكون أوسع: تراجع القدرة الشرائية للمستهلك وتأثر صناعة تدر دخلًا وفرص عمل.

المصريون اليوم في حالة غضب متزايد من السياسات التي ترفع الأعباء دون أن توفر بدائل حقيقية. المواطن يشعر أن الدولة تخلّت عن دورهــا في حماية الفئات الأضعف تاركة له مواجهة الغلاء منفردًا. هذا الغضب ليس مجرد رد فعل اقتصادي بل هو اهتزاز في العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

ارتفاع المعيشة لم يضرب فقط ميزانية الأسر بل أصاب قيم الخير في مقتل. المواطن الذي كان يتبرع لجمعية خيرية أو يساعد جارًا مريضًا بات بالكاد يجد ما يكفيه. ومع تقلص دائرة العطاء الشعبي تتراجع قيم التضامن التي شكلت على مدار عقود جزءًا أصيلًا من الشخصية المصرية.

إنها ليست خسارة مالية فحسب بل خسارة وجدانية تهدد روح المجتمع.

المجتمع المصري عُرف تاريخيًا بأنه مجتمع يقوم على “الإيثار الشعبي” تبرعات في المساجد والكنائس مبادرات عفوية لمساعدة الفقراء كفالات للأيتام وموائد الرحمن في رمضان.

لكن مع ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول صار الخير محصورًا في قلة من الأثرياء بينما غابت الأغلبية التي كانت تشكل القاعدة العريضة للعمل التطوعي.

وهنا يظهر أثر فلسفي عميق: حين تضعف قيم العطاء، يضعف الشعور بالإنتماء ويحل محله نزوع فردي للبقاء بأي ثمن. إنها تحولات تمس وجدان الأمة أكثر مما تمس جيوبها.

لابد ان تعلم حكومتنا الموقرة أن هناك مئات الآلاف من الناس لا يشعلون مواقدهم علي كيلو اللحمة إلا في وقت عيد الأضحى عندما يضحي المقتدر فيعطي لغير المقتدر طيلة عام كامل ينتظر هؤلاء لحوم الأُضحية ليذوقوا طعم اللحمة فإذا زادت أسعار الأضاحي تراجع الكثير من الناس عن عمل هذه الشعيرة وحُرم الكثيرين من دخول اللحوم في بيوتهم وهذا ما حدث بالفعل فمن كان يُضحي ب “عجل” أصبح يشارك فيه مع أربعة آخرين فقل ما كان يعطيه لوجه الله ومن كان يُضحي بخروفين أصبح يضحي بخروف ومن كان يضحي بخروف أصبح يكتفي بشراء كيلوات من اللحم لأهل بيته فقط.

لم تكن زيادة الضرائب في مصر مجرد إجراء اقتصادي بحت، بل هي انعكاس عميق لتحولات اجتماعية وسياسية تمس حياة ملايين المواطنين، خاصة الفقراء والمرضى والمحتاجين. فحين ترتفع معدلات التضخم – التي بلغت وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نحو 35% في عام 2023 – ويقفز خط الفقر إلى أن يضم نحو 30% من السكان بحسب البنك الدولي، يصبح السؤال ليس حول جدوى السياسة الضريبية فقط بل حول أثرها على تماسك المجتمع وقيم التكافل التي طالما تميز بها المصريون.

الضرائب والرسوم ليست مجرد أداة مالية بل هي انعكاس لعلاقة ثقة بين المواطن والدولة. حين لا يرى المواطن مقابلًا ملموسًا لما يُقتطع من دخله فإن ثقته تتراجع ومعها شرعية السياسات الرسمية. ومن هنا يصبح الإصلاح الاقتصادي اختبارًا للشرعية السياسية قبل أن يكون مجرد معادلة حسابية.

حلول مقترحة للخروج من الأزمة :

1. عدالة ضريبية: فرض ضرائب تصاعدية على الدخول الكبيرة وتخفيف العبء عن الشرائح الدنيا.
2. توجيه الدعم بفعالية: دعم نقدي مباشر للفقراء مع ضبط الأسواق لمنع الانفلات.
3. شفافية كاملة: إعلان واضح عن أوجه صرف حصيلة الضرائب وربطها بمشروعات ملموسة.
4. تشجيع التكافل: حوافز ضريبية للشركات والأفراد المساهمين في أعمال الخير.
5. تنمية الإنتاج: الاعتماد على توسيع الصناعة والزراعة بدلًا من استنزاف المواطن بالضرائب.
القضية في جوهرها ليست مجرد “زيادات” أو “أعباء” بل هي مسألة ثقة وعدالة وإنسانية. فإذا استطاع المجتمع المصري أن يحافظ على قيمه التضامنية رغم الضغوط يمكنه عبور الأزمة. أما إذا استمرت سياسات تثقل كاهل المواطن دون حلول عادلة وشفافة فإن الخطر سيمتد ليهدد النسيج الاجتماعي ذاته.
إنها همسة حانية ليست في أُذن الحكومة المصرية بل همسة إلى ضميرها وروحها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى