مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : في انتظار ،، الثورة الإدارية !

مبضع الجراح .. يقوم بالبترفورًا !! لأن العضو المتقيـِّح في الجسد سيقضي على الجسد وصاحبه فالاستغناء عن أصبع ٍهُنا أو قدم ٌهناك سيحافظ على عقل وفكر صاحب الجسد ! فمابالنا لو كان هذا الجسد : دولة بأكملها ؟ فكل من يتعامل مع أجهزة الدولة بمصريعرف أزمة الإدارة ومشاكلها المتنامية، حيث تعانى الأجهزة الإدارية فى الدولة من الترهل والتخلف والجمود والروتين الذي يكبِّل “المراكب السايرة” على رأي المثل الشعبي، وهذا الترهل هو المسئول عن تفشى الفساد؛ واستغلال الثقوب في ثوب القوانين الموضوعة بحرفية من قبل “ترزية القوانين”، محترفي تفصيله بما يتراءى لهم ، ولعلمهم المٍُسبق أن الدائرة ستدور ويتم تطبيقه عليهم في حال احمرار عين السلطة تجاههم ، وهذا ماجعل العامة من الشعب يتندرون ويتفاكهون بمقولة : “أن القوانين وُضعت لكي تُخرق، وأن القانون كاالحمار الغبي تستطيع أن تركبه وتسير به حيث تشاء” ، ناهيك عن تراجع معدلات الأداء والإنتاجية في المصالح الحكومية والوزارات السيادية، وتذكر الإحصائيات أن أداء الموظف المصرى في ظل هذا الروتين فى اليوم لا يتجاوز الساعة . والعجيب أن كلمة “روتين” هي ترجمة حرفية لكلمة ” نظام ” ؛ إلا أن هذا الـ” نظام ” العقيم لم ينله التعديل أوالتطوير منذ وضعه الاحتلال الإنجليزي لمصر، ونحتاج إلى سنوات وسنوات لعلاج الشلل وتصويب الاعوجاج في العمود الفِقري للجهاز الإداري للدولة؛ والتى تم تجريف كل شيء جميل فيها على مر سنوات خلت ، وننتظر صاحب القرار الذي يغامر ويقترب من كهوف هذا الجهاز، ومن يجروء بشجاعة وجسارة على التقدم لتعليق “الجرس” في رقبة القط !؟

 

والغريب أن مفهوم “الثورة الإدارية” عند البعض، يقتصر على نظرة سطحية ساذجة؛ غايتها تشييد البنايات الشامخة العملاقة للوزارات السيادية والمصالح الحكومية ، وخضوعها للتصميمات الحديثة والمداخل الرخام والسجاجيد الحمراء المفروشة تحت أقدام المسئول من “باب السيارة” إلى “مقعد المنصب” ، دون النظر إلى بناء الإنسان الذي سيجلس على هذا المقعد ! فما الفائدة المرجوة ـ مثلاً ـ من بناء ملاعب رياضية عصرية مجهزة بأحدث الوسائل التكنولوجية ؛ وبكل الأدوات والآلات وقاعات الجمانزيوم وحمامات البخار، ولكن هل هذه الأبنية الفخمة ـ دون تجهيز المدرب والإداري الكفء ـ تكفي لصنع “بطل رياضي” صاحب سجل حافل بالميداليات القارية والأولمبية والمحلية ؟ وهل يكفي تشييد “عاصمة إدارية” ـ على أحدث الطُرز المعمارية ـ لامتصاص الأزدحام داخل العاصمة الكبرى؛ دون إيجاد كوادرالإصلاح المالي والإقتصادي ؟ هؤلاء الذين يضعون استراتيجية محددة واضحة المعالم يدفعون بها إلى الكوادر الإدارية المدربة للتنفيذ ، وهي الكوادر التي تُعد بمثابة المدربين في المثال الرياضي ، وهنا سنجد المدير والموظف والعامل الأكفاء، مع إعداد مراكزالصيانة المتقدمة لتلك المنشآت، وحتى لاتقف تلك البنايات الشامخة شاهدة على الفشل والموت كشواهد القبور !

 

إن بيت الداء يكمن في جوهر الأشخاص لا البنايات ، فدرجات سلَّم النجاح تقع على مقدرة أعناق الرجال على التحمل والصبر والجلّد والإيمان التام بالوعي بالرسالة المقدسة نحو الإنسان والإنسانية، فالقضاء على الفساد يبدأ بارتفاع معدلات القدرة لدى من يتصدى للتغيير؛ والتخلص من الموروث العثمانى والمملوكى المتغلفل في ثنايا المجتمع وجنباته، وحملة القضاء على الفساد تتصور أن الطريق الوحيد لتحقيق هدفها هو ضبط الفاسدين ومحاكمتهم .. هذا ربما أقل الوسائل فعالية ، فالقبض على فاسد يحل محله فورًا فاسدٌ آخر، فقائمة الفساد لا تنتهى، والقضاء على الفساد مستحيل، والهدف دائمًا محاولة تقليل الفساد إلى الحد الأدنى، ولكن فى الحقيقة فإن الحلول الناجعة هي في تطبيق علوم الإدارة الحديثة، وفتح كليات متخصصة لها، وتنظيم مئات الحلقات الدراسية للموظفين لشرح أبعادها وآثارها الإيجابية على المنظومة ككل، أى خلق كوادر قادرة على ممارستها ، وأهم عنصرين لتحقيق ذلك بإصدار قوانين تعيد هيكلة التنظيم الإدارى على مستوى القطاعين الحكومى والخاص؛ تؤدى إلى تحطيم المركزية المطلقة التى تدار بها مصرعبرالتاريخ بتطبيق العنصرالأول بتحريرالمؤسسات من السلم البيروقراطى الطويل جدًا من المركز حتى المؤسسات السيادية التى ينبغى أن تتمتع بالاستقلال ، فمثلاً حل مشكلة قلعة “ماسبيرو” وكهوفها بمنحها استقلالاً تامًا ، مع مراعاة الترشيد من آنٍ لآخربحسب النتائج والمعطيات، فأوربا منحت الجامعات استقلالاً تامًا عام 2010، وحتى الآن جامعاتنا تتعثر وتفقد هويتها فى ظل المركزية ، كذلك المجالس المحلية يجب أن تستقل وتعود لنظام البلديات قبل 52 ، كذلك المحافظون يجب أن يختارهم الشعب بالانتخاب ….إلخ ، أما العنصر الثانى فهو حتمية وجود الإدارة الديموقراطية التى لاتركز السلطة فى يد المديرين عند اتخاذ القرارات .

 

الأمر يطول شرحه ولكن الحل ثورة إدارية تقضى على موروثاتنا العثمانية فى الإدارة ، ومن هذا الموروث البعيد مثلا المرسوم الهمايونى الخاص بقيود بناء الكنائس، وأما الموروث القريب فهو المادة الثانية من الدستور ومادة ازدراء الأديان وقانون الطاعة الذى يجبر الزوجة على العيش مع من لاتطيق! باختصار القضاء على الفساد يحتاج لتخلصنا فورًا من ثقافة العصور الوسطى ورفع القيود والأغلال التي تكبِّل مسيرة الوطن نحو المستقبل . كل الرجاء ألا يطول بنا الانتظار فرغبتنا ملحة في حياة أفضل خالية من الترهل !

 

أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى