د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : سيكولوجية الزحام .. ووصية جمال حمدان !

من خلف زجاج سيارتي المتوقفة بفعل الزحام الشديد بطريق صلاح سالم؛ وبالتحديد أمام المبنى العملاق لـ “الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء”؛ لفت انتباهي الشريط الإكتروني المضاء أعلى البناية مُعلنًا عن آخر تعداد للبشرفي مصرالمحروسة؛ ويزف البُشرى بكسرحاجز الـ 92 مليون نسمة؛ متكأكئين متزاحمين بالأكتاف والسيارات والتوك توك؛ حول الشريط الثعباني للنهر الخالد إلا من رحم ربي وهرب إلى الصحراء التي لانبات فيها ولا ماء .. وتذكرت على الفور أنه فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى ؛ وفي كتابه ” شخصية مصر”؛ كتب مفكرنا وفيلسوف الجغرافيا الراحل جمال حمدان : “إن مصر اليوم، ورغم كل التغيرات الجذرية الإيجابية والمشرقة والواعدة التى أنجزتها، تبدو فى أسوأ حالاتها، أسوأ مما كانت عليه فى أى يوم مضى، إنها ما زالت تبدو حتى الآن عتيقة شاخت، ولا تتجدد أبداً، مريضة بإزمان، ولكنها لا تموت أبداً، ذلك أنها تعايشت مع المرض، وتعودت عليه، ومرضها القومي المتوطن، هو إذن كمرضها الطبي المتوطن، فالبلهارسيا والإنكلستوما لا يميتان على الفور، ولكنهما يُعجزان ويُضعفان ويُقعدان المصاب …” . وعلى هذا فقد أوصى عالمنا المصري بالخروج من وادي النيل الضيق؛ والانتشارفوق ربوع الخريطة المصرية بأكملها للاستفادة من ثروات الصحراء التي لم يُكشف النقاب عنها بعد؛ ولتحقيق الصفاء النفسي والروحي بعيدًا عن مايسمي بـ “سيكولوجية الزحام” التي تهدد استقرارالمجتمعات والعواقب الوخيمة المترتبة عليه؛ من ارتفاع معدلات الجريمة والسرقة والجرائم المسكوت عنها داخل حيز الأسرة الواحدة !
وعلى ضوء هذا المفهوم وفي محاولة لإعادة تنظيم الخريطة السكانية في مصر؛ أعلن المجلس القومي للسكان ـ منذ فترة ـ عن تنظيم ورش عمل لمناقشة الإستراتيجية القومية للسكان عن الفترة 2015/2030؛ وتلخصت الأهداف العامة لهذه الإستراتيجية فى ضرورة إعادة رسم وترسيم الخريطة السكانية فى مصرمن خلال توزيع السكان على نحو يحقق الأمن والأمان في عددٍ من المناطق العشوائية؛ وإقامة مناطق عمرانية جديدة ـ تحقق منها النذر اليسيرـ وأهمها التفكير في إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة خارج نطاق الكثافة السكانية لمدينة القاهرة العاصمة الأبدية لمصر المحروسة؛ وهي التي ستكون بمثابة تفريعة جديدة لشعيبات الرئة للمدينة العتيقة التي يؤمها في النهارأكثر من ثلاثين مليونًا من البشر لقضاء مصالحهم الإدارية والحياتية؛ وهي خطوة تحقق الأمل المرجو لاستعادة ريادة مصرالإقليمية بتحسين خصائص المواطن المصري المعرفية والمادية والسلوكية برفع معدلات تشغيل الإناث ؛ وبخاصة من يكنَّ مُعيلات لأسر فقيرة كثيرة العدد؛ ووضع استراتيجية للخريطة السكانية بخفض نسبة الأمية بين الإناث وخفض نسبة الزواج المبكر ومعدل تشغيل الأطفال ومعدل الطلاق، والارتقاء بنوعية حياة المواطن بخفض معدلات الزيادة السكانية، مع استعادة دورمنظمات المجتمع المدني بتبنِّي القيم الإنجابية التى تحقق التوازن بين معدلات النمو الاقتصادي والسكاني؛ وتصحيح وتعديل المفاهيم العقائدية الدينية بالتفسيرالصحيح لحديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) الذي قال فيه : “تناكَحُوا تناسلوا فإني مُباهٍ بكم الأمم يوم القيامة ” ! فمن خلال هذا الحديث نرى أن المباهاة تكون بالعدد، أي بالكَمْ على حساب الكَيف؛ ونرى أن هذا الحديث يضرب في الجذوربرامج تنظيم النسل وتحديده .
وعلى هذا القياس والفهم السطحي لهذا المفهوم .. هل نستطيع أن نقول : أن “ماو تسي تونج” سيتباهى بقومه يوم القيامة على أمة محمد لأنهم الأكثرعددًا في تاريخ البشرية، برغم القوانين التي اعتمدتها الحكومة الصينية من أجل تحديد النسل؟ فعلينا التدبر العميق لما أورده الرسول في حديثه الشريف؛ خاصة وأنه لم يترك الأمورعلى عواهنها؛ فقال أيضًا :” المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز…. إلخ” ! فالمسألة ليست أعدادًا مهولة كغثاء السيل، ولكن لابد من التسلح بالعلم والتكنولوجيا والمعرفة المتقدمة المواكبة لمستحدثات العصر؛ وهذا يلقي بالمسئولية الكبرى على عاتق الدولة؛ بإعادة النظر في مفاهيم العملية التعليمية وتغييرها إلى الأفضل من الجذور؛ للخروج من بؤرة الفقروالنقص المعرفي لدى الأجيال الصاعدة في كل المجالات؛ واللحاق بركب الدول التي انطلقت نحو آفاق المستقبل .
من أجل ذلك نوصي بضرورة أن نقف وقفة جادة لوضع محاور لتحقيق هذه الأهداف منها محور تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية ومحور صحة الشباب والمراهقين؛ وأهمها العناية بمحورالتعليم والبرامج الإعلامية التي تعمل على زيادة التواصل الاجتماعي، وعدم تهميش الدورالفاعل للمرأة بصفتها حجرالزاوية في بناء الأسرة في المجتمع . وهذا يدعوني ـ من منبري هذا ـ إلى المناداة بضرورة إطلاق “حوارمجتمعي” يضم كل فصائل المجتمع؛ وعلى رأسهم القيادات البحثية بالجامعات المصرية؛ وتفعيل توصيات وقرارات الرسائل البحثية ورسائل الماجستيروالدكتوراه حبيسة أرشيف وأرفف المكتبات الجامعية ؛ مع تفعيل دور المؤسسات الحكومية وغير الحكومية لوضع تقديرات النمو السكاني عند التخطيط العام للدولة ؛ من أجل الوصول إلى القضاء على آفة “المركزية” العقيمة في كل مناحي الحياة العملية؛ والتي يبدو أننا قد توارثناها منذ حكم الفرعون؛ الذي كانت تتمحور حوله كل خلايا الدولة وتدين له بالولاء وانتظارًا لأوامره .
مازلت في انتظار الحوارالمجتمعي .. وإنارة إشارة المرور الخضراء !!
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون





