مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : عصا المحبة .. واليونسكو !

تقول كتب التاريخ إن استخدام “عصا التحطيب” يعود جذوره إلى أول جيش عرفه العالم في عهد الفراعنة حينما كانت الأداة القتالية الأولى؛ إلى أن تطورت وأصبحت وسيلة للدفاع عن النفس ثم لعبة قتالية لا تقل أهمية عن أي ألعاب قتالية أخرى انتشرت بين البشرفي العالم، وعن العمال الذين شاركوا في تشييد مجموعة الأهرامات الخالدة؛ يقول المؤرخون إنهم كانوا في أوقات الراحة يلعبونها في الساحات للترفيه؛ وكانت ألعابهم المفضلة باستخدام العِصِيْ الخشبية؛ ثم طوِّرت فيما بعد لتصبح “لعبة التحطيب”، وصارت هذه اللعبة من الألعاب الموروثة بمضي الزمن، ووضع لها لاعبوها قوانينها الخاصة التي توارثتها الأجيال المتعاقبة إلى يومنا هذا، وهو الأمر الذي حرص على رصده وتدوينه علماء وأساتذة الفنون الشعبية في الجامعات المصرية وجمعيات حفظ التراث بالتسجيل صوتًا وصورة، ولأن التوثيق بالأبحاث الميدانية والمستندات هو أقوى ذاكرة للأجيال المتعاقبة، تم إنشاء مركز الفنون الشعبية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي ، وكانت له العديد من الإسهامات الجادة في رصد وجمع تراث الفنون الشعبية المصرية بالزيارات الميدانية لكل خريطة الوطن من شماله إلى أقصى جنوبه على حدود السودان .

 

ولأنها مصر المعطاء في كل زمان ٍومكان منذ عصر الفراعين الأقدمين؛ وصولاً إلى كوكبة العلماء المحدثين حاملي الجينات المصرية الأصيلة ؛ ظهرت إلى الوجود “مجلة الفنون الشعبية”؛ وهي مجلة علمية مٌحكمة أسسها ورأس تحريرها في يناير 1965 أ.د. عبد الحميد يونس، وتوالى على رئاستها لفيف من أساتذة وعلماء الفنون الشعبية ، وجاء في افتتاحيتها العام الماضي : ” احتفلت الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية وأرشيف الحياة والمأثورات الشعبية المصري، والهيئة العامة للكتاب بمئوية المجلة، وأهدت القارئ المصري والعربي، ثمرة فريق عمل متخصص في مجال الفنون الشعبية قرصًا مدمجًا يحوي أعداد مجلة الفنون الشعبية منذ عددها الأول عام 1965 وحتى العدد المئوي 2015 مشاركة منها في الاحتفال بمئوية المجلة بوصفها ” المجلة الأم في الوطن العربي” التي قامات بنشر الوعي بأهمية التراث الشعبي المصري والعربي بصفة عامة .

 

وبفضل الجهود الأمينة والمخلصة للعلماء؛ فازت الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية بعضوية جهاز التقييم التابع للجنة الحكومية للحفاظ على التراث الثقافي غير المادي لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) على المقعد المخصص للجمعيات العربية؛ وذلك خلال الانتخابات التي عقدت في اليوم الأخيرمن اجتماعات اللجنة في أديس أبابا بإثيوبيا يوم ٢ ديسمبر ٢٠١٦، ونالت الجمعية المصرية ١٤ صوتًا مقابل ١٠ أصوات حصلت عليها جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث المغربية، وقد جاءت نتيجة التصويت إثر التحركات التي قام بها وفد مصر لدى اليونسكو مع الدول أعضاء اللجنة من أجل حشد الدعم للجمعية المصرية . وتعد الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية إحدى الجمعيات العربية القليلة المتخصصة في مجال التراث غير المادي المعتمد من قبل اليونسكو، ويعني جهاز التقييم التابع للجنة المذكورة بدراسة الملفات المقدمة من الدول أعضاء اتفاقية اليونسكو لحماية التراث الثقافي غيرالمادي لعام ٢٠٠٣ من أجل تسجيلها على قوائم المنظمة للتراث غير المادي، والتي سجلت مصر فيها كل من “السيرة الهلالية” عام ٢٠٠٨ و”التحطيب /لعبة العصاة” في الاجتماعات الحالية للجنة، وتعد هذه المرة الاولى التي تفوز بها إحدى الجمعيات المصرية بعضوية جهاز التقييم .

 

ووصف موقع اليونسكو على الإنترنت “لعبة التحطيب” بأنها : ” تؤدَّى هذه المباراة أمام جمهور من المشاهدين حيث يقدم المتبارزون على أنغام الموسيقى الشعبية عرضًا قصيرًا للحركات غير العنيفة باستخدام عصا طويلة، وتمارس هذه اللعبة من قبل الذكورالذين غالبًا ما يكونون من سكان محافظات الصعيد في مصر العليا …” و “.. تقوم قواعد المبارزة على الاحترام المتبادل والصداقة والشجاعة والفروسية والفخر؛ ويتم تناقل فنون هذه المبارزة في العائلات والمجتمعات والبيئة المحيطة “. ويقول أحد ممارسي اللعبة من عواجيز الصعيد : “اللعب مايبقاش له طعم لو مفيش جماهير”. ومن التقاليد الجميلة المتبعة أنه يمكن التحطيب من فوق ظهرالحصان بين رجلين، وهو إحدى ثمرات التزاوج الثقافى بين ثقافة البدو وثقافة الصعيد، حيث إن رقص الخيل من فنون البدو، ورقص العصا والتحطيب من فنون الصعيد .

 

والجميل أن منظمة ” اليونسكو” أطلقت على هذه اللعبة الشعبية التراثية اسم “عصاية المحبة” ؛ وما أجمله من تعبيررائع يليق بروعة وجمال تراث هذا الشعب المصري العظيم، ويعود السبب الرئيس لهذه التسمية أن المؤرخ”هيرودوت” أثبت في كتاباته “أن المتبارزين كانوا يصيب بعضهم بعضًا بإصابات قاتلة “؛ فتم الاتفاق على حيادية تلك الضربات بحيث تكون ضربات رمزية لاحتساب نقاط التفوق والمهارة للفائز، وبحسب القوانين واللوائح الموضوعة لممارسة هذه اللعبة الرائعة، ولتكون بالفعل هي “عصا المحبة” التي تربط القلوب بكل وشائج الحب والشهامة والفروسية .

 

ونحن بدورنا يجب أن نشيد بكل الجهود المبذولة من قبل العلماء المخلصين للتراث الإنساني عبر كل الأزمنة والأحقاب؛ لأنه يُعد بمثابة عقل الشعوب وذاكرتها التي لايجب أن تمحى أبد الدهر؛ وحتى لايعلوها صدأ النسيان والتجاهل؛ وحتى تعرف الأجيال كُنه جذورها؛ وإلى أي مستقبل زاهر ينطلقون .

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أ.د.إلهـــام سيــف الدولــة حمــدان
    جميل أن يستند “فعل الكتابة ” على التوثيق التاريخي لكل ماصنعته الأيدي المصرية لإثراء الحضارات التي أخذت عنها ؛ حتى نترك للأجيال قاعدة انطلاق راسخة نحو آفاق المستقبل، وللتعريف بأن من لاجذور له .. لامستقبل ينتظره ! والأجمل هو الإشادة بعلمائنا المصريين الذين يجتهدون للحفاظ على تراثنا الأصيل وعاداتنا الاجتماعية ؛ لتقف صامدة في وجه من يحاولون طمس هويتنا؛ وليعترف العالم بأن المصري سيظل كريم العنصرين إلى الأبد .
    تحياتي لقلمك الذي يشيد بالقيم الإنسانية والوفاء .. في زمنٍِ عز فيه الوفاء والأوفياء .

زر الذهاب إلى الأعلى