د. نجلاء صالح تكتب : التربية و متغيرات العصر و تحدياته
يقول (جون ديوي ) من العبث أن نندب ذهاب تلك الأيام القديمة السعيدة على مناقب أولادنا و الحشمة و الإحترام و الطاعة الخلقية إذ النوح لا يعيد الذاهب و بكاء ما فات يزيد الحسرات .
فإن التغييرات الحادثة نتائج نواميس طبيعية و لا يقابلها إلا تغيير كاف في التهذيب … و للتربيـة دور هام و للتعليم شأن فاعل فالتربية هي فن صناعة المواطنين بمصادرها و طرائقها و أساليبها و هي ــ بمفهومها الشامل ــ إعداد للإنسان للحياة بكافة جوانبها ، الذاتية و الحياتية ، و المجتمعية و العالمية ، و هي عملية مستمرة مدى حياة الفرد .
كما أصبح العلم يشكل الجزء المهم و الحاسم في رأس المال ، كما أن المعلومات أصبحت تقلل من الاعتماد على رأس المال لذا ينبغي أن تكون التنمية البشرية على قمة إهتمامات الدول ، بحيث تصل بالعقل البشري إلى القدرة على الإبتكار و الإبداع حيث أن التحديات العصرية تتطلب إنسانا جديداً بفكر جديد و مهارات جديدة و تعليم من نوع جديد ، يتمتع بمرونة في التفكير ذو قدرة فائقة على التكيف في المواقف الجديدة و قدرة فائقة على إتخاذ القرارات الحاسمة على أسس علمية سليمة .
و هذا يحمل التربية المسؤولية الأولى للتنمية البشرية و نظراَ لزيادة معدلات التغير و التغيير في الحياة العصرية ، حتى أن السيطرة على شيء أصبح غير ممكن إلى حد كبير في جميع المجالات المادية والمعنوية و لم يعد هناك شيء يحكم عليه بالثبات التام و المطلق و رغم حقيقة هذا إلاّ أن ذلك يصيب رجال التربية بالخوف والحذر الشديد .حيث عدم ثبات كثير من الأمور المعنوية يهدم هرم القيم التي تعمل التربية جاهدة في الحفاظ على ثباته و حتى لا تلجأ بعد فترة إلى ترميم هذا الهرم الذي لا يصلح مطلقاَ و لا يقبل .
و معنى ذلك أن معدلات سرعة التغير و التغيير أصبحت من أشد الأمور خطورة على التربية بكل مقوماتها لأن تلميذ اليوم الذي نتعامل معه بكل تأكيد من هذا المنطق سوف يكون غداَ تلميذاَ من نوع آخر ، و يحمل معانٍ و ماديات جديدة و مغايرة لما كان عليه بالأمس .
كل ذلك سوف يجعل التربية في غاية الحرج إذا لم تكن تملك القدرة على التفاعل مع هذه التغييرات بنفس الدرجة من حيث القوة و الاتجاه لضمان الاستقرار المطلوب لمسؤولياتها الجسام و تحقيق الأهداف المنوطة لها من أجل الحفاظ على ثقافة شعب و وحدة وطن و مستقبل أمة .
إن من أبرز التحديات التي سيواجهها العمل التربوي في المرحلة القادمة الإرتفاع المتصاعد في نفقات التعليم نتيجة النمو السكاني و تزايد الطلب على التعليم في مراحله و أنواعه المختلفة ، وتزايد المعرفة بسرعة مذهلة نتيجة للبحوث العلمية و تطبيقاتها المتنوعة التي تقتحم كل المجالات التي يمكن الوصول إليها نتيجة للتطور الهائل في تقنية المعلومات و تنوعها و سهولة و صولها إلى كل مكان في العالم بما تحمله تلك الوسائل من تدفق ثقافى يشكل بعضه تهديداً مباشراً للقيم و الثقافات .
و من أهم أولويات العمل التربوي لمواجهة الآثار الناتجة عن تلك المتغيرات ، وبإستشراف مستقبل العمل التربوي و إستجلاء توجهاته تتجدد الآمال في أن تساعد تربية الغد على بلوغ ما نصبو إليه جميعاً من نمو متكامل للنشء ، يسهم في تحقيق قدر أكبر من التنمية الشاملة المستدامة لمجتمعاتهم و دولهم و تتمثل مظاهر هذا النمو المتوقع في إتقان مهارات التواصل و مهارات التعلم الذاتي ، و إمتلاك القدرة على التفكير المحلل الناقد الذي يوصل على حل المشكلات .
كما تتمثل في التمكن من فهم علوم العصر وتقنياته المتطورة و إكتساب مهارات تطبيقها في العمل والإنتاج و قبل كل ذلك التحلى بأخلاق الإسلام و آدابه في معاملة الآخرين و خدمة الوطن و العمل من أجل تقدمه و المحافظة على أمنه و سلامته و ممتلكاته و إنجازاته .
كما يتوقع أن تنعكس نواتج تربية الغد على مجالات النمو الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافى للمجتمع ، بحيث يرشد الإستهلاك و يزيد الإنتاج ، و يرتفع إلى مستويات الجودة العالمية ، و أن يتواصل الرقى الإجتماعى بفعل الإستقرار الأسري و التنشئة الاجتماعية المتوازنة المبنية على حسن التعايش مع الآخرين ، و القائمة على فهم طبيعة متغيرات العصر و التفاعل الإيجابي معها ، بحيث يقوى الوعي بالهوية الثقافية و بجذورها و مصادرها ، و أن تتعزز القدرة على تنمية ثقافة الأمة و إغنائها بالتجارب المجددة ، والإسهام في حضارة العالم .
د. نجلاء صالح





