مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : دعوة إلى الاعتدال في أفراحنا ومآتمنا !!

هل لدى الشعب المصري العريق؛ والضارب بجذوره العتيدة في أعماق التاريخ ـ بكل طوائفه ومِلَله ـ أدنى شك في أن “هرم خوفو” تم تشييده بغرض أن يكون “مقبرة” لجثمان الفرعون بعد انتقاله إلى الآخرة ؟ ومنذ ذلك الحين ونحن في ولع متواصل في الاحتفاء بالموت والموتى، وقد يكون الاحتفاء بـ “الموت” واجب لكونه الحقيقة الوحيدة في العالم الأرضي، أما عن “الموتى” فحـدِّث ولا حرج؛ فإن الاحتفاء بهم تتم المغالاة به ، وربما أكثرمما كان المرحوم حيٌ يرزق ! واستمرت عادة الإحتفال في ليلة الوفاة، علاوة على الأربعينية المقدسة التى لا أصل لها ولا جذورفي أي عقيدة دينية، فالإحتفال بالأربعين ابتدعه أجدادنا إحتفالاً بالانتهاء من عملية التحنيط قبل إيداعه في باطن الأرض؛ سواء وضعوه في الطين أو التابوت الخشبي أو الرخامي .. كلها مُوتة لاأكثر .

 

وعلى رأي الشاعر/صلاح جاهين في رباعياته الفلسفية : “ضريح رخام فيه السعيد اندفن/ وحفرة في الأرض فيها الفقيرمن غيركفن/مرِّيت على الاتنين .. وياللعجب/لاتنين لقيت فيهم نفس ريحة العفن” ! واستمرت مصر القبطية على هذا المنوال حتى بعد الفتح الإسلامي، واستمرالمصريون على هذه الوتيرة حتى كتابة هذه السطور ! وفي ليلة الوداع تقام سرادقات العزاء ـ بتكلفة ألوف الجنيهات ـ بطول الشارع وعرضه؛ مزدانة بمصابيح الفولت العالي المسروق ـ عيني عينك ـ من أعمدة الإنارة بالشارع دون مراعاة تعليمات عدم زيادة الأحمال على محطات الكهرباء التي تكلف الدولة ملايين الجنيهات، أو استئجار صالات المناسبات فى المساجد الكبرى لإحياء مأتم لا يفيد الفقيد بشيء، بل يعود بالخسارة على أهله، وزيادة في استعراض” المنظرة ” تستقبل وفود المعزين كاميرات الفيديو لتسجيل الحدث الجلل بلقطة “زوووم” لكل من قام بتشريف حفل العزاء . وفي المناطق الشعبية تجرى طقوس متوارثة خاصة باستجلاب ” الندَّابة ” أو” المعدِّدة” التي تقوم بتعديد مناقب الفقيد ـ الذي لم تره في حياته ـ لإشعال حماسة السيدات اللائي أتين لتقديم واجب العزاء؛ مصحوبًا بالصراخ والعويل ولطم الخدود مجاملة للأهل والخلان . وفي حين تلهب “المعدّدة” حماس السيدات، يكون بالسرادق عدد من مشاهيرالشيوخ لتلاوة القرآن، ويتقاضون بدورهم آلاف الجنيهات لإحياء الليلة ـ ولا أدري لماذا تم ربط القرآن بمشاهد الحزن والموت والصراخ والعويل ـ وما من آذانٍ مصغية للآيات البينات، ويتجول أفراد العائلة بين الصفوف لتوزيع كتيبات الآيات السبع المُنجيات، مع السجائرالمستوردة والشاي الأخضر، ومع حلقات الدخان ينشغل الحضوربتبادل الأحاديث الجانبية ، مع تبادل الضحكات والتقطيع في “فروة المرحوم” وذكر مثالبه التي لاتعد ولا تُحصى، وهم بهذا مخالفين الأمرالرباني بالإنصات لتلاوة آيات الذكر الحكيم :«وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ».ولكنها العادات والتقاليد التي يبدو أنه لافكاك منها على الإطلاق ، لتتحول المآتم إلى مايشبه الأفراح للتفاخر والتباهي أمام الآخرين . وتعالوا بنا لنعبر إلى الجانب الآخرمن طقوس المصريين في الأفراح والليالى الملاح؛ لإعلان وإشهار الزواج ؛ حيث نجد مسلسلاً رهيبًا من المظاهر المُقحمة علينا بداية من حفل الخطوبة، والحناء، والزفة المصرية بالمشاعل داخل قاعات الفنادق الكبرى بعد تأجيرها بألوف الجنيهات، ناهيك عن “البوفيه المفتوح”الذي يضم بين جنباته مالذ وطاب من لحم الغزال والطاوس والنعام ( جملة اعتراضية : الديوك الرومي أصبحت موضة قديمة للفقراء !! )، ويقال ـ والعهدة على الراوي ـ أن لحوم الطاوس والنعام في هذه الولائم تحوي بداخلها قطع من ( الماس الحر ) ليسعد بها من يصادفها في فمه .. ياألله على هذا السفه الذي يحمِّل الأسر أعباء فوق الطاقة؛ وربما لجأت بعض العائلات إلى الاستدانة لاستكمال هذه المظهريات العبثية للتفاخربين الأسر؛ وعمل المقارنات مع أفراح إبنة العم والخال وبنت زيد وعبيد من المعارف؛ علاوة على الإسراف في صنع فستان الزفاف المرصع بالنجوم الذهبية والماسية؛ ليذهب بعد الليلة المباركة إلى سلة المهملات بعد إنفاق ألوف الجنيهات على صنعه أو استيراده من بيوت الأزياء العالمية .. والغريب أننا نعود لنسأل أنفسنا السؤال الذي نتجاهل أسبابه ودوافعه : لماذا ترتفع معدلات العنوسة وإحجام الشباب عن الزواج ؟ إن هذا البذخ ، سواء في المآتم أو الأفراح الفاخرة؛ من الأولى أن يستفيد منها الأهل والمجتمع، فغير القادرين من أهل المتوفَّى لن يضطروا إلى الاقتراض من أجل حفل يزيد همومهم، أما الميسور منهم فكان الأولى توجيه تكلفة هذه المآتم والأفراح الفاخرة لغرض يفيد الميت والأحياء من بنى وطنه، فمجال الصدقة الجارية واسع، ولو وجهت هذه الأموال لإعانة المستشفيات، أو حضَّانات للأطفال المبتسرين، أو دور لإيواء أولاد الشوارع، ستصبح صدقة جارية على روح من ودع العالم؛ وبالنسبة للعروسين؛ سيكون من الأفضل لهما حتمًا توفيرهذا البذخ والاحتفاظ بهذه المبالغ لبداية انطلاق لمستقبل سعيد . وبهذا نكون أستطعنا أن نقوم بالتصحيح الواجب لمفاهيم خاطئة وعقيمة تعشش فى وجدان العقل الجمعي المصري . فهيا بنا نلفظ هذه المظهريات العقيمة .

 

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى