الدكتور ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز : الواجب الوطني و الرهان الخاسر

إن الذين يدعون إلي مقاطعة الانتخابات الرئاسية تحت عنوان “الحركة المدنية الديمقراطية” بوصفهم أشتاتا من الاتجاهات و المذاهب الفكرية و الأحزاب الاسمية ،إنما يعتقدون بأن خطاباتهم و توجهاتهم نخبوية و بأنهم رعاة الوطن و ينوبون عن الجماهير في التعبير عن طموحاتهم و قضاياهم المصيرية و يتواطأون في مساعيهم هذه مع أصحاب “التيارات الدينية” و خاصة الإخوان و كل الطامعين في السلطة علي أسس عقائدية ! و الأعجب أن عنوان حركتهم يجمع بين “المدنية”و الديمقراطية”، و من المؤكد أن هدفهم من وراء ذلك هو : التنكر و الإقصاء لكل أدوار” المؤسسة العسكرية” و بصفة خاصة ممارسة الحقوق الطبيعية و الدستورية في جميع المهام الموكلة إليها، و يغفلون أو يتغافلون عن أن صفة “المدنية”
قد تستبعد أيضا ما له علاقة “بالشريعة الإلهية”! و بالتالي تستبعد إخوانهم السياسيين الراغبين في السلطة باسم الدين! و لكنهم – و لأسباب تتعلق بسوء المقاصد و بدناءة الغرض – لا يجدون حرجا في السقوط في هذا التناقض، أي في التواطؤ مع خصومهم المفترضين و الذين طالما ادعوا أنهم أول من دعا للخروج عليهم في ثورة 30 يونيو ،و بأنهم أول العلمانيين !! و لكنها المصالح يحاولون بها إخفاء اختلافاتهم المبدئية- و لو مؤقتا- بغرض التخلص ممن اعتبروه عدوهما المشترك، أي كل ما له علاقة بالمؤسسة العسكرية و كأنها ليست أهم مؤسسات الدولة و كأن أهلها ليسوا مواطنين كاملي المواطنة و أنهم يمارسون حقوقهم حينما يمارسونها بالقانون .و لكن هل يخفي علي هؤلاء الذين يقولون إنهم معارضون أنهم لن يستطيعوا التغلب علي اختلافاتهم الجذرية في منطلقاتهم الفكرية( إن كان عندهم فكر) و المذهبية إلي ما لا نهاية ، و أن ذلك سيدفعهم حتما إلي حروب بينية طمعا في التفرد بصدارة المشهد؟! و النتيجة النهائية لخططهم الحالية هي أن نظل رهائنهم و طوع أمرهم، تدور بنا دائرة التطاحن و الصراع بين فريقين يدعي كل منهما أنه “المدني الديمقراطي الإلهي” !! و هم يراهنون في ذلك علي القدرة علي خداع العامة بأنهم النخبة أو الصفوة ! و الصحيح هو أن كل مواطن هو “مدني” بالطبع عندما يمارس حياته العامة طبقا للقانون،فليست “المدنية” امتيازا خاصا بهؤلاء و يجب حرمان غيرهم منها !.
وأما صفة “الديمقراطية” التي يلصقونها بأنفسهم أكثر من غيرهم فلا يستحقونها لأنهم بدعوتهم هذه إنما يتجاوزون الحق الطبيعي و يسمحون لأنفسهم بتحريض غيرهم علي مقاطعة العملية الانتخابية ؛ و في ذلك تأثير منهم علي إرادة غيرهم ، و بذلك يكون تصرفهم منافيا لأبسط مبادئ الديمقراطية التي يفخرون بها و ينفر منها شركاؤهم من التيارات الدينية التي تري الديمقراطية من نظم الحكم الكفرية! ثم إن أعضاء هذه الجبهة يفتقدون الحاسة السياسية ، فلا يدركون معني “الواقعية” و لا الملابسات التي تحيط بمنطقتنا العربية و لا بالتوليفة العجيبة من خصوم الداخل و الخارج الذين يحلمون بتفكيك الوطن و ضياع المواطن. و لا يملك هؤلاء سوي حفنة من الشعارات و المزايدات و الأفكار البائسة الجوفاء غير الصالحة للظروف التي تمر بها البلاد الناهضة، و لا يتورعون عن الممارسات الانتهازية استنادا إلي أيديولوجيات فارغة لإغواء البسطاء، فضلا عن عجزهم الكامل عن تقديم رؤي علمية حقيقية لحل المشكلات الواقعية. و لذلك فإن علي المخلصين الحريصين علي وطنهم ،و المدركين تمام الإدراك لخطورة اللعب بمقدراته في هذه المرحلة من تاريخه و لمحاولات العبث بها، أن يشاركوا -بكل قوة و حماس – في العملية الانتخابية ،و أن يتصدوا لكل دعوات تحريضهم علي السلبية مهما ادعي المبطلون؛ حفاظا علي ما تم إنجازه حتي الآن ،و أملا في المزيد. و تكفي لمحة واحدة إلي ماضينا القريب و إلي من ضاقت بهم الحياة من حولنا ليعتبر كل ذي عقل و نظر.





