الدكتور ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز: و لكن وطنك أهم

تعد “الوطنية” غريزة فطرية تدل علي الوحدة الجوهرية بين الإنسان و بيئته ، بمعني وطنه.و طبقا لبعض الثقافات فإن الجمادات أيضا تحب الانجذاب إلي مصادرها، أي مواطنها الأصلية. و نحن نجد اللغات الأجنبية أدق تعبيرا عن معني “الوطنية” من اللغة العربية :فكلمةMotherland أي “الأرض الأم” تعني الوطن، كما أن كلمة Nathionality التي تعني “الجنسية” مشتقة من فعل لاتيني يعني مسقط الرأس أو الميلاد.و بصفة عامة فإن جميع الثقافات تنظر إلي الأرض علي أنها ” الأم”التي تنبت الحياة و تحتضن بقاياها بعد الممات.أما كلمة Patriot بمعني “وطني أو محب للوطن” فمشتقة من كلمة لاتينية تعني” الأب”.إذن فالوطن يجمع بين معاني “الأمومة و الأبوة” بما يشمل عوامل النسب والنشأة و الرعاية و الانتماء و الولاء. و للذين يحبون الاستناد إلي النصوص الدينية فإن الله جعل الأرض كلها وطنا لبني آدم: “و لكم فيها مستقر و متاع إلي حين.”[البقرة:36].
فالوطن- باللغة العربية- هو مكان الاستقرار بعكس الترحال للرعي و الصيد في عصر ما قبل اكتشاف الزراعة و نشأة الحضارة. “فالوطن” إذن يحمل معني الاستقرار في مكان معين و اعتباره ملكا ذا خصوصية و قداسة.و هو المأوي الذي يجد فيه الكائن الحي أعلي درجات الشعور بالأمان حتي لو كان ذلك مع أقل متاع ،أي أدني ضرورات العيش.كما أن أوطان الله هي أماكن عبادته التي هي بيوته، و لذلك كانت محرمة مقدسة،و قد أقسم -في سورة البلد- بالرسول و بإقامته بمكة لأنها من أهم أوطان الله لكونها محل المسجد الحرام. و معني ذلك أن الله لم يعارض تقديس الأوطان و لم يحرم علي شعراء الجاهلية وقوفهم علي آثار بيوتهم و فخرهم بأوطانهم، بل سخر من حماستهم لثقافاتهم البالية التي تشعل الفتن و تبيح احتلال الأرض بغير الحق ،و أوجب عقوبة النفي من الوطن -من بين عقوبتين- لكل مفسد و قاطع طريق و مروع للآمنين:”لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم”[الممتحنة:8].
فأوجب قتال كل متسبب في تشريد الناس أو طردهم من أوطانهم ،و كل من يساعدهم علي هذا الجرم :”و أخرجوكم من دياركم و ظاهروا علي إخراجكم.”[الممتحنة:9].و معني ذلك أن الواجب المقدس علي الإنسان هو حماية وطنه؛ لأن حياته و مصيره مرتبطان به أشد ما يكون الارتباط. و لم نجد في الآيات السابقة أي تعارض بين “العاطفة الوطنية” و” العاطفة الدينية” بمعني أن احداهما لا تنفي الأخري ،و إذا كان الله لم يشترط مكانا معينا لقبول عبادته فيه ، فإن وجود الإنسان المكلف بالعبادة مشروط بوجوده بمكان معين هو وطنه الذي هو حياته و مماته.و معني ذلك بطلان دعاوي المنحرفين فكريا الذين يفتون بجواز التضحية بالأوطان ابتغاء مرضاة الله ! و بذلك يكفرون كل المدافعين عن الأرض و العرض ، أي الجيش و الشرطة ،برغم أن الله -و كما رأينا سابقا -قد أوجب قتال كل من يهم بالاعتداء علي الأوطان و ليس علي الدين فحسب.فمن أين جاء هؤلاء المضلون بالسند الفقهي لفتاويهم الخرقاء التي تخلط بين “الوطني” الذي يمثل العنصر الطبيعي في الإنسان و “الديني” الذي يمثل العنصر الثقافي؟! و هما عنصران متكاملان، بلا شك، و يشكلان جوهر الإنسان.إذن فكل خلط بين” الدين “و “الوطن” بل و كل محاولة لإيجاد تعارض بينهما هو من قبيل التضليل و التخبيط الذي يهدف إلي الاستيلاء علي مقدرات الوطن باسم الدين، بزعم أن “قداسة الديني” تستبعد “قداسة الطبيعي“. و مع ذلك فإن للوطنية أمراضا يجب تجنبها، و منها: 1- الشوفينية chauvinism :و هي الحماسة المغالي فيها بلا مبرر لصالح وطنية معينة مثل “الصهيونية” التي تري أن أرض فلسطين ملك لله خصصه لبني اسرائيل، الشعب المختار.
2- النفاق الوطني :و هو اللعب علي كل الأطراف، أي الموالاة و المعارضة حسب الحاجة بغرض الكسب الدائم و تحت كل شعار. 3-الخيانة و العمالة :و هي اعتبار الوطن وسيلة لجني الأرباح و ليس غاية في حد ذاته ، مستحقا للقداسة و التضحية من أجله بمقدس مثله و هو الدم. و لذلك فعلي جميع مؤسسات الدولة تنمية الروح الوطنية لتصبح “عقيدة طبيعية” لا تسقط أمام أي إغراء ممكن أن يؤدي إلي الإصابة بأي من “أمراض الوطنية” السابق ذكرها. و الخلاصة هي:إنه إذا كان يجب علينا أن نهتم بكل شئ فيجب أن يكون وطننا هو الأهم، و إذا كان علينا أن نكره بعض الأشياء فيجب ألا يكون الوطن واحدا منها، و ألا نطلقها شعارات تخلو من إنجاز ،و لنعلم بأن مشاركاتنا الإيجابية في صنع قراراته هي مساهمة منا في صناعة مستقبله، فلنحرص علي ذلك تماما كحرصنا علي بذل أرواحنا لحمايته و صون كرامته، كما لا يجب أن ننيب عنا في ذلك غيرنا فنهلك كلنا.





