د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : قناة السويس .. بعد عـام !

اللحظات الفارقة فى عُمر الشعوب؛ يقف لها التاريخ مسجلاً فى طيات سطوره ـ وبحروف ٍ من نور ـ ماأنجزته هذه الشعوب بالدم والعرق، وهذه المرَّة وفى هذه اللحظة الفارقة التى نعيشها ،لن يقف التاريخ وحده ليسجِّل؛ ولكن ستقف معه الجغرافيا أيضًا، لتسجل كيف استطاع المصرى أن يلوى عنق الصحراء ويقوم بتغيير ملامحها التى شابت على مر الأزمان؛ ليحيل اليابسة إلى اخضرار ٍ يمنح النماء لكل من على أرض مصر بإرادته الصلبة التى لاتقهر، وكأنه يثأر لدماء مئة وعشرين ألفًا من أبنائه الذين دُفنوا تحت الرمال فى هجير الصحراء أثناء الحفر ـ بالفأس والمقطف وكسرة القديد ـ فى عهد الخديوية التى قصدت بحفرها خدمة التطلعات الاستعمارية، إلى أن استردتها مصر على يد أبنائها الذين آمنوا بحق ملكيتها كشريان ٍ رئيس فى الجسد المصرى؛ يغذِّى القلب والروح والكرامة؛ ويفتح الطريق إلى آفاق الحرية لكل من على أرضها المقدسة .
وبالتأكيد .. فإن البون شاسع بين الأمس واليوم، وعلينا أن نقص على الأجيال الجديدة كيف بدأ التفكير فى تغيير ملامح الصحراء لتنبثق فى شرايينها العجفاء جداول الماء والقنوات التى توهب الإخضرار لكل ربوعها، فقد بدأ حلم المصرى منذ دبت الحياة على أرضه. وبإلقاء نظرة مختصرة علي تاريخ نشأة هذا الحلم فى عقل المصرى القديم؛ نجد العديد من المحاولات التى نجح البعض منها ونال البعض إخفاقات الفشل، ولكن ظل الحلم يراود عقل المصرى القديم، وصولاً إلي حفرها من جديد بعد ردمها بأمر أبي جعفر المنصور مع تغير مجراها وتغير اسمها إلى قناة السويس، ثم كانت الإرهاصة للقناة التى نحتفل بتشغيلها، ففي يوليو عام 1956 قام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميمها، والتي تسببت لاحقاً في إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على مصر وانتهى بانتصار الإرادة المصرية انتصارًا أبهر العالم، وكان هذا الانتصار بداية لإنهيار الإمبراطورية البريطانية التى سيطرت على العالم بالاحتلال منذ فجر التاريخ .
ومازلنا بعد مرور عام (6 أغسطس 2015) على هذا الحدث التاريخى الذى تصنعه الإرادة المصرية بسواعد شعبها وجيشها وشعارهم “يدٌ تبنى ويدٌ تحمل السلاح” ، لتضيف تفريعة لتحسين الأداء للخدمات البحرية، بالإضافة إلى توسيع وتعميق تفريعات البحيرات المُرَّة، ليكون فى هذا أبلغ الردعلى المتباكين الذين يحاولون تشويه جدِيِّة هذا المشروع والوقوف كحجرعثرة فى طريق الإنجازات التى تقوم بها القيادة لرفعة وتقدم الشعب المصرى لبلوغ المكانة التى يستحقها، بل دفع الثمن غاليًا فى سبيل نيله الحرية من دماء أبنائه الشرفاء .
وإذا كان تاريخ قناة السويس مرتبطًا بأطماع استعمارية أوعز بها المهندس الفرنسى ديلسبس إلى الخديوى سعيد، فى عصر ٍ كانت فيه مصر لاتملك إرادتها، ليقف على ضفتيها لحظة الافتتاح فى العام 1869 كل السفراء الأجانب وعلى رأسهم الإمبراطورة “أوجينى” ملكة فرنسا التى عبَرت على متن”ليجيل” كأول سفينة تعبر القناة فى الافتتاح، على النقيض نرى اليوم على ضفتيها كل القلوب المتحررة من السيطرة، فلم نلجأ إلى استدانة الأموال للإنفاق على المشروع كما حدث فى العهود القديمة ، بل نـُفذ بما أستثمره المصريون في شراء أسهم القناة لتعود الفائدة المرجوَّة لكل مصرى آمن بحق بلاده فى مستقبل زاهر للأجيال القادمة .
وقد شهد الرئيس السيسي، صباح السبت الماضي، الاحتفالات بمناسبة مرور عام على افتتاح القناة الجديدة ومتابعة مشروعات تنمية محورها، كما ألقي كلمة بحضور كبار رجالات الدولة، وشمل الاحتفال عرضًا للفيلم الوثائقي الذي أعدته الهيئة عن القناة الجديدة والمشروعات التي تمت في محيطها خلال العام المنصرم، إلى جانب العروض الفنية وكورال الأطفال وعروضًا جوية وبحرية بالأسلحة المختلفة، واستمع لشرح مفصل عن المشروعات من مهندسي العمل وآخر المستجدات التي وصلت إليها معدلات التنفيذ، وقد كانت المفاجأة هي اشتراك عدد من القطع البحرية أهمها حاملة الطائرات جمال عبدالناصر طراز “ميسترال” والفرقاطة تحيا مصر من طراز “فريم” واللانش “إمباسادور”، وكذا افتتاح المرحلة الأولى من المشروعات بالإسماعيلية، وأنفاق قناة السويس الجديدة، ومشروع قرية الأمل النموذجية لشباب الخريجين وصغار المزارعين ، وزيارة موقع الأنفاق التى تمر أسفل القناة لتنقل مياه النيل إلى سيناء، وتفقد ماكينة الحفر “تحيا مصر ١”، وحرص على لقاء مهندسى المشروع للإعلان عن استكمال أعمال الحفر، كما قام بزيارة مصنع الحلقات الخرسانية فى موقع النفق، والتقى بعدد من متفوقي كليات الهندسة بمختلف الجامعات المصرية؛ ليسند إليهم مهمة الاندماج مع المشروع؛ لاكتساب الخبرات في هذا المجال؛ ليكونوا البذرة المثمرة التي يتم غرسها في التربة المصرية الخصبة للخير والنماء .
وها نحن نقف بكل الفخر لنشهد مع التاريخ وقفة الشموخ والعزة؛ نرقص فرحًا على الضفتين ونردد مع شاعرنا “صلاح جاهين” يوم استرددنا قناة السويس: محلاك يامصرى وانت (ع) الدفـَّـة والنصرة عاملة (ع) القنال زفـَّـة ! أما ماننشده بعد هذه الخطوة العملاقة فهو الاستمرار في تحقيق الإنجازات، فنحن نريد إنجازات مستمرة وأفراحًا ممتدة بكل مُنجَزْ، فقدأثبتت عزيمة المصريين أنهم إذا أرادوا أن يحققوا شيئا نالوه وياليتنا نجد الروح والعزيمة نفسها في كافة المجالات كلٌ في موقعه؛ لنسابق الزمن ولنلحق بركب التقدم قبل فوات الآوان .
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





