الدكتور ظريف حسين يٌكتب ﻟ الأنباء نيوز الإخبارية : الخلود بالعلم

قررت الكتب السماوية أن الشر الإنساني بدأ بمعصية آدم و زوجه بالأكل من الشجرة المحرمة،و لكن اختلفت النصوص و المؤولون حول ماهية هذه الشجرة و مغزي النهي عن الأكل منها، و دلالته بالنسبة لمصير الإنسان في الأرض و مراد الله منه: فقيل إنها شجرة “معرفة الخير و الشر” فمن أكل منها نال الحكمة الكلية بقدرته علي التمييز بين الخطأ و الصواب في السلوك،و قيل إنها” شجرة الخلود”؛ فمن تناول منها شيئا أصبح من الخالدين ولا خوف عليه من الفناء.و لكن و بصفة عامة فقد وصف التراث المسيحي هذه المعصية بأنها “الخطيئة الأصلية” أو الأولي. و يمكن ان نفهم معني كلمة “الأولي” بأنها أسبقية زمانية،فقد كانت اول ما اقترفه آدم من الذنوب،و يمكن أيضا النظر إليها طبقا لتقرير المؤمنين بأنها أصل الشر و باب المعاصي كلها؛،فلولاها ما سقط أول البشر من الجنة التي تفيد ببساطة أن الطبيعة الأصلية للإنسان هي الخيرأو البراءة من الشر.و في ذلك قال الله:”لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين،إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات…” و هذا يعني أن الإنسان خيّر أصلا و شرير فرعا،و بينهما درجات بين الخير و الشر بالتزام الصواب مبدأ و سلوكا، و أن ذلك كله ناتج عن دخول العقلانية؛ فلولاها ما أخطأ الإنسان من حيث إن الخطأ مخالفة العقل،و لذلك فلا خطأ إلا بعقل كما لا جريمة إلا بنص و لا عقوبة إلا بقانون. و لكن يمكننا حسم الخلاف بين التفسيرين لما ترمز إليه الشجرة، و هل هي شجرة الخلود ام شجرة الحكمة، و ذلك بالرجوع إلي الواقع الفعلي للطبيعة الإنسانية كما تشهد به التجربة التي تقرر ان الهم الأول للحياة بصفة عامة هي مقاومة الموت، و هو ما عبر عنه المتنبي أصدق تعبير: أري كلنا يبغي الحياة لنفسه حريصا عليها مستهاما بها صبا فحب الجبان النفس أورثه التقي و حب الشجاع النفس أورثه الحربا. و لما كان الخلود الأصلي مستحيلا كما قال الشاعر قطري بن الفجاءة مخاطبا نفسه في ساحة القتال: فقلت لها و قد طارت شعاعا من الأبطال،ويحك،لن تراعي فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع! أي لما كان ذلك كذلك فإننا كما قال الشاعران مرهونون بنوعية حياتنا،أي بما نضفيه عليها من معان،و بالتالي بما نسميه بالخلود المعنوي.و هو الذي يميز مثلا بين حياة الشجاع و حياة الجبان،فكلاهما حريص علي الحياة و مقاومة الموت و لكنها يختلفان في مغزي الحياة،و هل هي حياة المجد و الفخار أم حياة التفاهة و العار! و لكن لو قلنا إنها شجرة الخلود بناء علي هذا التأويل التجريبي فما زالت هناك مشكلة، و هي كيف استطاع الإنسان ان يدرك أنه سيموت، و بالتالي يحاول بهذا الفعل منه مقاومة الموت و نوال الخلود؟!فكان آدم لم يزل في الجنة و لم يقع ضمن تجربته الواقعية أن مات غيره! إذن فإن خشية آدم من الموت كانت بناء علي معرفته بالموت و أسبابه. إذن يمكن الحسم بأن الدافع الجوهري للاكل من الشجرة كان طلب الخلود، و لكن تسبقه المعرفة بمعني هذا الخلود و أسبابه.و بذلك يزول التناقض بين التفسيرين. و إذا ثبتنا المتغير الأول الذي هو حب الحياة أو طلب الخلود لأنه غريزة عامة في جميع الأحياء و غيرها أيضا طبقا لقانون القصور الذاتي،فلم يبق إلا المتغير الثاني الذي هو “الحكمة” أي القدرة علي التمييز بين الخطأ و الصواب لبلوغ الحالة الأولي التي كان عليها آدم و زوجه في الجنة قبل الهبوط منها،و هي حالة السعادة و الخلو التام من الآلام. و الآن نسأل:أيهما أسبق،السعادة أم الألم؟ لن نرجع إلي الكتب المقدسة التي قررت كما سبق أن الأصل هي السعادة،و أن الآلام مكتسبة بالمعاصي،أي بالجهل بالأسباب الحقيقة للسعادة،أو للفشل في إدراك الغاية النهائية من وجودنا في هذه الحياة.و المرجعية الآن، كما في كل مرة، إلي العلم:فالأصل العلمي هو أن الكائن الحي لا يشعر بعمل أعضائه الحيوية – القلب أو الكبد مثلا- في الأحوال الصحية السليمة،و متي شعر بعدم الراحة او الألم فهذا يعني أنه مريض،أي يعاني من خلل او خطأ أدي إلي خلل وظيفي. و ما الألم إلا إشارة من المخ للتنبيه علي ضرورة إصلاح هذا الخلل.فالسعادة بمعني الخلو من الآلام هي الأصل،فأما الشعور بالألم فهو الفرع.بغض النظر عن اعتبارات المتشائمين الذين يجعلون الألم أصلا للحياة، و يتفلسفون بهدف تعزيز العدمية و النزعات الانسحابية و الانطواء و الاكتئاب و المالانخوليا،و كل أشكال انعدام الإيجابية و الفاعلية علي مرمي الوجود. و للتأكيد علي ذلك فإننا مثلا لا نشعر بحركة القطارالذي نستقله إلا إذا اصطكت عجلاته مع القضبان او نظرنا من النافذة.و هذا يعني أن جميع مساعينا و معارفنا مكرسة ضد الآلام، و من قبلها إطالة أمد الحياة، و لكن، و كما قلنا سابقا، فإنه لاستحالة الخلود الأصلي فلن يبقي لنا إلا تحسين جودة الحياة و منع الألم،بما أسميه بالسعادة السلبية التي تعني – فقط – الخلو من الآلام. و لكن البشر و بناء علي قاعدة نفسية و سياسية يطمحون إلي السعادة الإيجابية و مضاعفتها أضعافا كثيرة، باكتساب القيم و المعاني روحية و الأخلاقية كالشرف و المجد و الشهرة، و محبة الغير…إلخ،و هو ما يمكن تسميته بالخلود المعنوي. و لكن نأتي لأهم سؤال:لماذا يتشبث البعض بالخلود المعنوي أي بإطالة أمد الذكري في أذهان الغير بعد موته؟فماذا يفيد الإنسان من هذه الدنيا و هو ميت؟! قال شوقي في ذلك: دقات قلب المرء قائلة له من الحياة دقائق و ثوان فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها فالذكر للإنسان عمر ثان. إذن يعتقد جميع البشر بقيمة أفعالهم أحياء و أمواتا،و يظهر ذلك في جميع الثقافات و هو اصل عقيدة تناسخ الأرواح مثلا.و حتي غير المؤمنين بالوحي يؤمنون بقيمة ما يتركون من أعمال في نفوس خلفائهم!ربما كانت فكرة الخلود نفسها مغروزة في طبيعة البشر حتي أولئك الذين يفخرون بأنهم ماديون! و بصفة عامة فإن كل حضارات العالم مدينة لهذه الحاجة الإنسانية “العامة” و “الدائمة” للخلود سواء أكان ماديا فقط كما يعتقد الماديون.
أي في مستقبل الأيام في هذه الدنيا أم كان يجمع بين المادي و المعنوي عند اليهود و المسلمين،أم كان روحيا فقط كما يعتقد المسيحيون و أصحاب تناسخ الأرواح.إذن النتيجة واحدة و الغاية واحدة و الاختلاف فقط في الوسائل و المطالب. و الثابت هو أنه سواء أكان المطلوب هو البقاء علي قيد الحياة بلا أي طموح آخر أم كان المطلوب هو السعادة الإيجابية فإن الوسيلة الوحيدة المتاحة لنا هي العلوم جميعها التي تعمل في النهاية لخدمة علمين أساسيين هما “الطب” و” الأخلاق” الذي يعد رئيس العلوم بما فيها العلوم السياسية التي تؤسس للوصول إلي السلطة، بمعني القدرة علي بلوغ مركزية التحكم.و لن يتحقق معني “التحكم” إلا “بالحكمة” أي العلم بالأسباب الحقيقية للظواهر. و تهدف السلطة بجميع أشكالها إلي الاستحواذ علي مفاتيح الخلود المادي و المعنوي و السعادة.و لذلك نجد أن مفهوم السلطة متحقق في جميع الكائنات ابتداء من نواة الذرة مرورا بنواة الخلية و حتي حكام الدول و الكون نفسه.و مهما اختلفت أشكال السلطة و درجاتها فإننا نتكالب عليها بكل استماتة! لضمان طول الحياة و لامتلاك مفاتيح السعادة. و إذن فلو كان “الثابت” هو الحرص علي الحياة فإن” المتغير” هو مكانتنا فيها، و هو ما يشكل معني السعادة. و الأهم هو معني الخلود مهما اختلفنا في طبيعته بالنسبة لنا طبقا لقناعاتنا و معتقداتنا. و أخيرا يمكننا ترجمة المضمون النهائي لسعينا في الحياة بناء علي ضرورة التمسك بالحكمة، أي العلم، بهدف مزدوج هو تحقيق الحياة و الشعور بالسعادة كما يلي: إنه مادام العلم هو المطية الأولي للخلود و هو أيضا مفتاح السعادة سواء في الوجود الواقعي الحالي أم في الوجود الافتراضي أو الاعتقادي في الحياة المستقبلة،فإن العامل المشترك الحاسم في كلا المطلبين هو العلم: فالخلود +السعادة=العلم. كما أن الفناء+الشقاء=الجهل. و لذلك فأنني أُفضِّل الجمع بين “الخلود” و” العلم” بوصفيهما رمزين للشجرة المحرمة كما ورد ذكرها في الكتب المقدسة،أي الجمع في الحياة بين مطلب الخلود و مطلب العلم في صيغة واحدة لأرفعها شعارا واحدا خالدا، و هو:”الخلود بالعلم”!





