وحين رأى سحرة فرعون آية موسى، خرّوا سُجدًا وقالوا”آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى” [طه:70]، بل تحدوا فرعون قائلين: “فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ…” [طه:72]. لذا أحبّهم المصريون، وخلّدوا أسماءهم في قرى مثل السحايت، ديروط، ملوي، طهطا، وغيرها. وتقول الروايات إنهم جاؤوا من أنصنا، التي تُعرف اليوم بقرية الشيخ عبادة.
أما الرجل المؤمن الذي جهر بالحق، من آل فرعون، وقف مدافعًا عن موسى حين اجتمع الملأ ليقتلوه:”وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ…”
(غافر: 28)لقد كان ذلك الرجل ناصحًا حكيماً، استخدم المنطق والعقل في دعوته، وقال لهم: إن كان موسى كاذبًا فعليه كذبه، وإن كان صادقًا فسيصيبكم بعض ما يعدكم.
ونأتى إلى قمة التمسك بالإيمان المتمثل في ماشطة ابنة فرعون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما كانت الليلة التي أُسري بي فيها، أتت عليّ رائحة طيبة، فقلت: يا جبريل، ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها. قلت: ما شأنها؟ قال: بينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: بسم الله. فقالت لها ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله. قالت: أُخبره بذلك؟ قالت: نعم. فأخبرته، فدعاها فرعون، فقال: يا فلانة، وإن لك ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله… فأمر ببقرة من نحاس فأُحميت، ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها…” (رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه)
وغير ذلك وجود حكماء مؤمنين من مصر – كلقمان الذى أخبرنا الله عنه بقوله {ولقد آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}[سورة لقمان: 12] وذكر وصاياه الشهيرة لابنه، منها:
{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}** [سورة لقمان: 17]
فقد أكد أكثر المفسرين والمؤرخين أن لقمان الحكيم كان من أهل النوبة ، وكان رجلًا حكيمًا صالحًا آتاه الله الحكمة.
وذكر مصر بتفاصيلها من مدن وقرى وشعب طيب وعدو كافر أكبر تكريم لأهلها .
ذكر ذلك القرآن الكريم في قصتين: موسى ويوسف عليهما السلام؛
حيث خرج موسى عليه السلام القصة من قلب بيت مصري، في زمنٍ طغى فيه فرعون واستبد، يقتل الذكور ويستحيي النساء. فجاءت أول لمحة عن مشهد الحياة اليومية في مصر: الخوف، القتل، والاضطهاد. قال تعالى: “إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ” (القصص: 4)
وفي مشهد بديع من مشاهد الجبر الإلهي، أوحى الله لأم موسى بأن تضعه في التابوت وتُلقيه في النيل، فيطمئن قلبها رغم الخوف:”وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ” (القصص: 7)وتتبع أخته الطريق بدقة، مراقبة بذكاء:”وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ” (القصص: 11)ودخل الطفل إلى قصر فرعون، فكان الحدث الذي بدّل التاريخ، إذ ألهم الله امرأة فرعون أن تحبه، وقالت:”قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ، لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا” (القصص: 9) وكانت المعجزة أن الله ألقى محبته في القلوب:”وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي” (طه: 39)ثم جبر الله قلب أمه بإعادته إليها:”فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ” (القصص: 13).
وإلى اللقاء في الجزء الرابع
مظاهر الحياة في مصر أم الدنيا
زر الذهاب إلى الأعلى