دعاء يونس تكتب لـ الأنباء نيوز : نعمة الهروب من الوطن .. ناقوس خطر صاخب الدقات !!

ليست هى المرة الأولى التى نصحو فيها على مأساة لا يستهان بها .. رحلة عبور إلى الشواطئ الأوروبية لم تبلغ هدفها المنشود ..هى أكبر كارثة للهجرة غير الشرعية فى رشيد . لحظة مربكة أن يكون خلاصنا حين نعطى ظهورنا للوطن ، حين نهرب منه بكل ما نملك من خوف وأمل وشك ويقين . إنهم يفرون من الأوطان .. لماذا آثروا مواجهة أهوال البحار فرارا من جحيم أوطانهم ؟
ما هو حجم الألم الذى ضاق بناسه إلى هذا الحد فصار واسعا جدا بالأوجاع ؟ وما الذى يدفعه لأن تصبح عشة أو خيمة فى معسكر لجوء أرحم به من وطن يزور على سكانه وطنيته ؟
الواقع المرير الذى نعيشه أصدق أنباء من الصحف .. فكيف لإنسان مكبل بأصفاد من الذل والعار ألا يندفع يأسا إلى الموت ، فرارا من أرض تفور الدماء بها وتثور من أجل رموز دينية أكثر من ثورتها لأجل اغتصاب الأرض والعرض .. أرض فيها قضية معاناة الإنسان ككيان خلقه الله ليعيش بكرامة على أرضه ووطنه هى خارج منظومة فكر المؤسسات فى بلادنا ، والشعوب المحيطة بنا لا تحترم إلا من له كرامة فى أرضه فالإنسان بلا كرامة لا قيمة له والوطن بلا إنسان حر أبى لا دين له ولا هوية .
جل من حدثونى عن رغبتهم بالهجرة كان مستقبل أبنائهم مجهول الملامح هو السبب الرئيسى لقرارهم فالأمور سيئة وإلى الأسوأ كل يوم والكآبة وصلت إلى العظم ومن حقهم أن يحييوا حياة كريمة ويحلمون بمستقبل زاهر لأبناهم فأبسط ما يريدون أن يذهبون فى طرقاتهم آمنين دون تحرش ودون ان تنفجر فى وجوههم قنبلة فى منتصف الطريق .. أن يتلقوا تعليما حقيقيا يوسع مداركهم ويثقل خبراتهم .. ان يجلسوا معا فى مقهى دون خوف أن يدخل أحد المجانين حاملا رشاشه ليقتل أبرياء بإسم الدين .
من حقهم أن يعيشوا حياة ليس فيها نفاق وغش واستغلال ثروات وتمييز وتجويع وتهميش وبطالة .. حقهم أن يكونوا مواطنين فى أوطان عبرت بشعوبها إلى منطقة أكثر إنسانية واحتراما لأفرادها .. أوطان مروا مثلنا بحروب وجوع وتدمير وعرفوا مثلنا الذبح وقطع الرقاب ودمرت مدنهم بالكامل ثم صنعوا اللحظة التى غيرت مستقبلهم ونقلتهم من الفوضى والتخلف إلى الديمقراطية والحرية والمساواة .
لماذا يتركون الأوطان ؟
تلك مبرراتهم للهجرة إلى أوروبا حيث الحياة والمستقبل الأفضل وحدثونى عنها على حد قولهم : فمنهم من أراد الهروب من هذا المكان الذى يفيض بالكره والحقد ويتقاتل فيه أهله والفرار من الأرض التى تلعن المفكر وتحترم المجرم ودوا الفرار من الفساد والأحقاد والعنصربة ومنهم من رأى أنه لا يمكن تطوير قدراته فيها فأراد الفرار حيث العمل الأفضل والدراسة الأكثر جودة إضافة للأجور الجيدة ومنهم من يهجر لسبب دينى يريد الهجرة فهو لم يعد مسلما منذ فترة مضت ولكنه يحيا وسط مجتمع متدين وكثيرا ما أجبر تحت ضغط عائلى على الذهاب إلى المسجد وهو لا يود ذلك وتخلت عنه خطيبته عندما صارحها بموقفه العقائدى فرغب فى الهجرة من هذه البلاد التى لا تتقبله كما هو ومنهم من يرى أن الهجرة واجبا بحق الذات فهو يتوق إلى حياة أفضل له ولعائلته فواجبه كأب يحثه على البحث عن مكان أفضل فلا يريد أن يكبر إبنه ليكون أحد هؤلاء الشباب الذبن يراهم أجسادا خاوية بلا ثقافة ولا مستقبل .
وأحاديث الهاربين على الحدود تلك هى مأساة طويلة وحزن إنسانى يؤلمك ولو لم تعشه ..أأصبح الوطن كذبة بيضاء يروج لها البعض دون شعور بالذنب ويتلقفها آخرون دون شعور بالخديعة ؟ أم ان الوطن محبوبا لسر محبة الأوطان ومهروبا منه لجحيم الحياة فيه !
يوما” بعد يوم ستفرغ أوطاننا من رجالها وقدراتها وكفاءاتها وستحرم مخزونها البشرى وتسد فى وجهها الأفق .. سنسير فى طريق خطيئة الهجرة وسيفوتنا قطار العودة وتطمس هويتنا ونتوه بين ماضينا وحاضرنا وسيتحول الخراب من خارجنا إلى داخلنا وكل واحد منا تحمل نفسه قنبلته التى ينتظر انفجارها الرحيم .
الوطن البديل قد يبقيك حيا لكنه لا يمنحك الحياة ، هو بالضبط كزوجة الأب مهما بدت حنونة .. لا تنسى أنك من إمرأة أخرى .





