د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : أنقذونا من الموضة .. سيئة السمعة !

هل تذكرون قصة ( القرود وبائع الطرابيش ) ؟ الجيل الحالي لايعرف تلك القصة الرائعة ؛ التي كانت أحد مواد كتاب المطالعة العربية بالمرحلة الإبتدائية ، وفحواها أن مجموعة من القرود كانت تسكن شجرة عالية؛ قامت باختطاف الطرابيش من البائع الذي كان يمر أسفلها، وصعدت بها إلى أعالي الشجرة، ولعلم الرجل أن القرود حيوانات تجيد التقليد الأعمى بلا عقل ولا روَّية ولا تفكير؛ قذف القرود بواحدٍ من هذه الطرابيش ، وعلى الفور بادلته الرمي بطرابيشه بالمثل، وبتلك الحيلة الذكية والفهم الواعي استرد الرجـل بضاعته ولم يخسر منها واحدًا !
وفي العصر الحديث؛ قال أحد رؤساء الدول الغربية الكبرى متوعدًا ومهددًا : سأقوم بقتل ثلاثين ألفًا من الرجال العرب و.. ساعاتي !! ( أي رجل ممن يعملون في صناعة الساعات ) ، وقامت الدنيا ولم تقعد وتكأكأت الأمة العربية غاضبة حاقدة على الرجل متسائلين : ولماذا “ساعاتي” بالذات ؟! وتناسوا ـ في غفلة وغباء وجهل ـ الوعيد بقتل الثلاثين ألفًا، ونجح الرجل الماكر في سحب الجماهير إلى حواري ومسارب جانبية تشغلهم عن القضية الرئيسة !
ولأن المثل الشعبي المصري العبقري يقول : لايأتي من الغرب .. مايسُر القلب ! ولأن هذا الغرب الملعون يفهم ويعرف طباعنا تمامًا، أو مايسمونها بالسيكولوجية العربية ، ويعرف كيف نجنح بلا وعي إلى التقليد ؛ تمامًا مثل قرود الجبلاية ـ وبصرف النظر عن مناسبته أو عدم مناسبته لأخلاقنا وطباعنا الشرقية الأصيلة ـ فإنه يستحدث كل ساعة ” تقليعة ” ؛ بداية من تقاليع عالم مستحضرات التجميل والسيليكون والبوتكس والكرياتين لتلميع الشعرونعومته ؛ وصولاً إلى التقاليع الغريبة ـ بل والمخزية والمقززة ـ في الملابس التي تشف وتكشف أكثر مما تستروتقي، وهو بهذا لايبغي في النهاية إلا الوصول إلى تمييع الهويَّة ؛ وطمس معالم الشخصية المصرية والعربية على حدٍ سواء، ويقوم بدهاء بسحبنا إلى ترَّهات تبعدنا عن الإنتاج والعمل الجاد، واستنزاف الطاقات البشرية الخلاقة للقتل المادي والمعنوي ، ولإيمان الغرب الذي يتلاعب بعقولنا ؛ بأن الاحتلال الثقافي والفكري؛ أشد تحكمًا وسيطرةً لفرض التبعية من الاحتلال العسكري التقليدي .
وآخر هذه التقاليع المنفرة؛ بعد الملابس الممزقة عنوة في أماكن حساسة من جسد المرأة ، هي البنطال الجينز الأمريكي الموشوم بالمخلفات الآدمية ـ وعذرًا للوصف والتوصيف ـ فتلك هي الحقيقة المُرَّة ، وسرعان ماانتشر هذا الوباء في شوارع العواصم الكبري ، وظهرن به فورًا إناث قرود الجبلاية بعد دفع الثمن الباهظ لهذا الهراء، وفي الوقت نفسه يسير إلى جانبهم البسطاء الكادحين الواقفين في طوابيرللحصول بقروشهم الزهيدة على رغيف الخبز المدعوم، وينظرون بحسرة إلى ما آل إليه حال الذوق العام من انحدار؛ بل يعدونها دعوة صريحة للتحرش الذي مافتئنا نتهم الشباب الحائر به، وكَيْل الاتهامات لهم بعدم الالتزام بالقيم والأخلاق الحميدة.. فكيف سنواجه هؤلاء الشباب بعد هذا العُري الغبي الصريح ؟ وعلى من نُلقي اللوم ؟ خاصة ونحن على نفتتح الموسم الدراسي في المدارس والجامعات المصرية، والذي سنرى فيه العجب العُجاب هذا العام ، فهل من قانون ٍمُلزم يمنع ماسوف نراه من كرنفالات داخل الجامعات والمدارس الثانوية ، يطالب بالحد الأدنى من احترام الذوق في محراب العلم والأدب ؟ أتمنى ذلك .. ناهيك عن أمنيتي بفرض الملابس الموحَّدة ( اليونيفورم ) لكل كلية على حدة ، وبألوان مبهجة راقية تبهج الروح وترقى بالمشاعرالإنسانية ، هذا الرقي الذي سيفرض الاحترام المتبادل بين الجميع ، دون نظرة حاسدة للطبقات الغنية القادرة ؛ أو نظرة دونية متلصصة متربصة لمفاتن الجسد؛ وهي في الحالين حطبًا للنار المختبئة تحت الرماد !
أعرف تمامًا بأنه ستنطلق بعض الأصوات الرافضة ـ بحجة الحريةالوهمية ـ للدفاع المستميت عن هذه “الموضة” الغريبة ، ولكن أية حرية تلك التي تجرح المشاعر؟ وكنا نتخذ من الفنانين المصريين في السينما المصرية قدوة في الملابس المحترمة والأناقة ، فالفتيات يقمن بتقليد ماترتديه سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة من الملابس الوقورة الجميلة شكلاً ومضمونًا ؛ ويقوم الشباب بتقليد “ربطة العنق” الأنيقة والبسيطة لمطرب الأجيال محمد عبد الوهاب ، وكان بالفعل هو الزمن الجميل في كل مناحي حياتنا أناقة ًوالتزامًا وجمالاً . فالجمال يكمُن في البساطة وانتقاء مايتناسب مع تركيبة كل شخصية سويَّة متصالحة مع النفس، لاتسير خلف ثقافة القطيع التي يحاول فرضها بعض المغيبين على المجتمع ؛ دون النظر إلى الثمن الغالي أو الرخيص لتلك الملابس ، فالبون شاسع بين الرِّخَصْ والترخُّـصْ .
نناشدكم .. ونناشد أولياء أمور الشباب بالشرح والتحذير و المناقشة العاقلة ؛ والتوجيه بالانتقاءات الملائمة في الملابس الأنيقة المحترمة؛ وعدم الإنسياق خلف هذا الخرف بحجة مجاراة الموضة ويالها من موضة سيئة السمعة! وحتى لاينطبق علينا قول الشاعر/نزار قباني بأننا ( لبسنا قشرة الحضارة .. والروح جاهلية ) ؛ إنها جمرة خبيثة ستشعل النار في عباءة الأردية العربية والمصرية الأصيلة ؟
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





