د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : فلسفة الإغتيالات !!

قد تُطيح طلقات الرصاص بالجسد، لكنها أبدًا لاتستطيع قتل الأفكار والمباديء الإنسانية العظيمة . وقد أوردت الكتب الدينية المقدسة : أن الاغتيال عملية قديمة قدم خلق الإنسانية، وأشهر مثال على ذلك؛ هو قتل “قابيل” لأخيه “هابيل” !
وبالنظر بعين الوعي والدراسة لعملية “الاغتيالات” التي دأبت عليها أفكار البشرية منذ بدء الخليقة، بداية من “حادثة الغراب” مع جثة “هابيل”؛ والفتنه الأولى التي أودت بحياة الخليفة الثالث “عثمان بن عفان”، فكانت تلك هي أولى الاغتيالات في التاريخ الإسلامي، و “شهيد المحراب “عمر بن الخطاب”، ومحررالعبيد” سبارتاكوس”، واغتيال شعب بأكمله؛ عندما بدأت عملية التخلص من الهنود الحمر، منذ هبوط “كريستوفر كولومبوس” على الأراضي الأمريكية عام 1492! و “المهاتما غاندي” و “مارتن لوثر كينج” و “حسن البنا” و “جورج كنيدي”، و”فرج فودة”، و”، السادات، والاغتيال المعنوي لـ “نصر حامد ابو زيد” ، وصولاً إلى رصاصات الغدر التي طاشت وانحرفت بعيدًاعن جسد مفتي الديار السابق من فترة وجيزة، وسبقها اغتيال النائب العام هشام بركات، وختامًا بمحاولة الاغتيال الفاشلة للنائب العام المساعد عن طريق سيارة مفخخة .
وهي نماذج أسوقها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ للرصد والتذكِرَة فقط .. فالقائمة طويلة ومُبكية، لذا أحببت أن ألقي الضوء على “فلسفة الاغتيالات” التي يعتنقها كل فصيل من الفصائل المتناحرة على الساحات؛ بصرف النظر عن مسميات الفصائل ومناهجها، وبعيدًا عن الأسماء وأفكارها وتوجهاتها !!
ودعوني أسميها مجازًا بالفلسفة؛ لأنها عقيدة راسخة في أذهان من يعتنقونها، ويلعبون بكل الطرق غيرالأخلاقية على مسرح وكواليس الساحة السياسية. ولا تقتصر الاغتيالات على التصفية الجسدية، فهناك سلسلة جهنمية من الاغتيالات المعنوية؛ وهي الأفدح والأنكى والأشد خطورة، حيث اغتيال الأفكار والمباديء السامية التي تدعو إلى إعلاء قيم الحق والخير والجمال؛ من أجل فرض أيديولوجيات مُمنهجة؛ هدفها الوصول إلى سدَّة الحكم لفرض فكر معين، فيدهس في الطريق كل من يخالف المفاهيم المبتغاة؛ بالتصفية الجسدية أو المعنوية .
و قد شغل الاغتيال السياسي على امتداد التاريخ تفكير العديد من علماء النفس والاجتماع والسياسة والدين، واختلف في تعريفه وتسميته ونظرياته الكثيرون، فأخذ البعض خيط البداية بتفسير الأسباب والدوافع، ودراسة طرق وأدوات الاغتيال، بدءًا من استخدام الأسلحة البيضاء، وصولاً إلى عمليات التفجير والقتل بالرصاص والأحزمة الناسفة والسيارات المفخخة … الخ، وظهرت في هذا الصدد أعداد هائلة من الكتب والمقالات، وتم نشرالأبحاث والتوصيات الصادرة في نهاية المؤتمرات التي تنعقد لدراسة تلك الظاهرة، ومع كل ذلك لم تسفر عن إنحسار موجات استهداف الشخصيات المهمة ذات التأثير الفكري أو السياسي أو العسكري أو القيادي، ووصلت الضلالة الفكرية والعقائدية لبعض الفصائل إلى الاتجاه للتصفية الجسدية للأدباء والشعراء ـ وآخرهم الشاعر/ناهض حترـ ؛ الذين يرونه عائقًا في طريق انتشار أوسع لأفكارهم .
وأجدني مضطرة ـ للإيضاح فقط وليس عن انحياز فكري لهذا أو لذاك ـ إلى سرد وقائع تاريخية؛ حدثت على الساحة العربية؛ والإسلامية على وجه الخصوص، فنجد أن كتب “الشيعة” تزخر بالروايات والفتاوى المبيحة لقتل أهل السنة واستباحة دمائهم وأعراضهم، ولهذا فقد عملوا على وضع الكثير من الروايات التي تسوغ لهم هذا القتل الممنهج والصريح الذي لالبس فيه أو مهادنة، ولعل البداية كانت في أحداث الفتنة الكبرى ؛التي أودت بحياة الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فكانت بذلك أولى الاغتيالات في التاريخ الإسلامي شيعية رافضية، والتى ـ في اعتقادي ـ أوصلتنا إلى مانحن فيه الآن.. كما أوردت في بداية اجتهادي في أطروحتي هذه، والأمثلة كثيرة ومتشعبة؛ لايتسع المجال هنا لذكرها بالتفصيل، فالتاريخ مليء بحوادث الشيعة والسُّنة؛ والتراوح بين الاختلاف والائتلاف .
وتجدر الإشارة إلى أهم الاغتيالات السياسية الفجة في القارة الأوربية والأمريكية بالتحديد، وحتى لايقتصر حديثنا عن حركة الاغتيالات على الساحة العربية والإسلامية فقط، فأشير إلى مارتين لوثر كينج الذي اغتيل في العام 1968؛ لكونه من أكثر المعارضين لحرب فييتنام .
والآن .. وبعد محاولة استعراض فلسفة الجماعات والفصائل في تعاملهم مع من يختلفون معهم في الأفكار والتوجهات السياسية والعقائدية والأدبية، نجد أنه لزامًا علينا العمل معًا على إيجاد السبل والوسائل التى ترتفع وتترفع عن التصفية الجسدية والمعنوية لأخوة الوطن والدم، والتي تعد الآن من الآفات الاجتماعية ؛ ويجب أن تكون هذه القضية ضمن إطار قومي ووطني من الدرجة الأولى، لأنها لا تقل أهميّة عن التنمية الاقتصادية، فلابد من اللجوء إلى سياسة تهذيب النفوس والسلوك والأخلاق؛ فهي أيضًا لا تقل خطورة عن الحياة السياسية والإقتصادية المعيشية، ولاشك أن نهضة الشعوب تقوم على أسس العقول الواعية غير الخاملة والمغيّبة، فهذه التصرفات غير المسئولة ظاهرة مرضيّة بإمكاننا أن نتلمس آثارها السلبيّة، وبإمكاننا أن نتتبع ما تجنيه على المجتمع من سلبيات، والدخول في متاهة التصفيات الجسدية، وتصفية من قاموا بالتصفية الأولى … وهكذا لن ننتهي إلى نهاية الأرض ومن عليها !فالخلاف في الرأي ينبغي ألايفسد للود قضية ولايطيح بالرءوس. طوبى للعقلاء في هذا العالم !
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





