أخبار عاجلةأخبار عالميةأخبار عربيةالولايات المتحدةتحقيقات وملفاتتقارير مصريةحوادث وقضاياسياسةقراءمصرمقالات
أخر الأخبار

🔴باسنت محمد تكتب لـ الأنباء نيوز: حين تتحول الديمُقراطية إلى آداة حصار وأحتلال؟!

🔴لم تكن فنزويلا يومًا أزمة إنسانية فقط بل كانت — ولا تزال — ساحة صراع فج بين القوة والسيادة بين من يملك القرار ومن يُفرض عليه القرار باسم الحرية. في قلب هذا الصراع وقف دونالد ترامب ليس كرئيس أمريكي فحسب بل كرمز لمرحلة أمريكية قررت أن تُسقط الأنظمة لا بالصناديق ولا بالجيوش بل بالتجويع المنظم.

منذ اللحظة الأولى لم تُخفِ إدارة ترامب عداءها الصريح لحكم نيكولاس مادورو.

لم يكن الخلاف حول حقوق الإنسان كما رُوّج بل حول من يملك مفاتيح النفط ومن يحدد شكل الحكم في دولة يفترض أنها ذات سيادة. الديمقراطية هنا لم تكن هدفًا بل لافتة تُرفع عند الحاجة وتُسحب عند التعارض مع المصالح.

الولايات المتحدة لم تعترف بانتخابات فنزويلا لكنها في الوقت ذاته لم تنتظر حكمًا دوليًا محايدًا بل صنعت رئيسًا بديلًا على مقاسها واعترفت به وفرضته سياسيًا في سابقة خطيرة تُعيد تعريف مفهوم الشرعية وفق ميزان القوة لا القانون.

العقوبات التي فُرضت لم تُسقط النظام لكنها أسقطت الشعب.

خنقت الاقتصاد، دمّرت العملة، حرمت المستشفيات من الدواء، ودفعت ملايين الفنزويليين إلى الهجرة.


ومع ذلك، بقي مادورو في موقعه؛ لأن العقوبات لا تُسقط الأنظمة المتجذّرة، بل تُقوّي خطابها وتمنحها عدوًا خارجيًا تتكئ عليه.

ترامب قدّم نفسه كعدو للاشتراكية، لكنه لم يحارب الاشتراكية ببديل اقتصادي أو مشروع إنساني، بل بحصار يُشبه العقوبات الجماعية.

المفارقة أن واشنطن، التي تتحدث عن حق الشعوب في الاختيار، لم تتحمل اختيار شعبٍ لا يشبهها، فقررت معاقبته.

الأخطر من فنزويلا نفسها هو النموذج الذي كرّسته إدارة ترامب:
أن من يخرج عن الطاعة يُعاقَب، ومن يرفض الهيمنة يُجَوَّع، ومن لا يفتح موارده طوعًا تُفتح عنه قسرًا.
هذه ليست سياسة خارجية، بل منطق إمبراطوري قديم بملامح حديثة.

فنزويلا لم تكن استثناءً، بل رسالة.

رسالة لكل دولة تفكر أن تسير خارج المدار الأمريكي.
العراق، ليبيا، سوريا… الأسماء تتغير، لكن الآلية واحدة:

شيطنة الحاكم، خنق الدولة، ثم انتظار الانهيار من الداخل.

والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح ليس:
هل مادورو ديمقراطي؟
بل: من منح ترامب الحق في أن يقرر من يحكم ومن يُعاقَب؟

في عالم يحكمه ميزان القوة، تصبح الديمقراطية امتيازًا لا حقًا، وتتحول حقوق الإنسان إلى ورقة تفاوض، وتُختزل الشعوب في أرقام عقوبات.
فنزويلا لم تسقط، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا لتذكير العالم بأن السيادة لا تُقاس بالأخلاق المُعلَنة، بل بالقدرة على الرفض.


كيف تُدار العقوبات… وكيف تُكسر الدول دون رصاصة

ما حدث في فنزويلا في عهد ترامب ليس قصة بعيدة عن العالم العربي، ولا حالة شاذة في النظام الدولي، بل هو نموذج مكتمل لما يمكن أن يحدث — وما يحدث بالفعل — حين تخرج دولة عن المسار المرسوم لها، أو تحاول أن تمسك قرارها بيدها.

القصة واحدة، تتغير الجغرافيا فقط.

في فنزويلا قيل إن المشكلة هي «الديمقراطية».
وفي العراق قيل إنها «أسلحة الدمار الشامل».
وفي ليبيا قيل «حماية المدنيين».
وفي سوريا «حقوق الإنسان».
أما في العالم العربي عمومًا، فالعنوان الدائم هو «إعادة الاستقرار».

لكن المضمون واحد:

كسر الدولة من الداخل قبل التفكير في إسقاط النظام.

ترامب لم يخترع هذا الأسلوب، لكنه استخدمه بوقاحة غير مسبوقة.
العقوبات لم تكن أداة ضغط سياسي فقط، بل كانت سلاحًا اقتصاديًا شاملًا، يعرف جيدًا أنه لا يضرب رأس السلطة وحده، بل يضرب المجتمع كله، ثم يترك الشعب في مواجهة دولته، والدولة في مواجهة شعبها.

وهنا تحديدًا يجب أن يتوقف القارئ المصري والعربي.
لأن ما جرى في فنزويلا ليس غريبًا عنا، بل مألوف حدّ الألم.


مصر: الدولة التي نجت… لكنها تدفع ثمن النجاة

مصر لم تُحاصَر كما حوصرت فنزويلا، لكنها خضعت لنوع آخر من الضغط:
ضغط الديون، وشروط التمويل، وربط الاستقرار بالرضا الدولي.

الفارق أن مصر دولة عميقة، عمرها آلاف السنين، ومؤسساتها لم تُهدم كما هُدمت دول عربية أخرى.

لكن الدرس واحد:

الاقتصاد أصبح ساحة الصراع الأساسية، لا الدبابات.

العالم لم يعد يحتاج لانقلابات عسكرية تقليدية.
يكفي:
رفع تكلفة الاستيراد،
خفض العملة،
تضييق مصادر التمويل،
ثم مطالبة الدولة بـ«الإصلاح».

وإن لم تُصلِح كما يُراد، فهناك دائمًا العصا.

ترامب لم يكن استثناءً، بل كان الوجه الصريح لمنطق قائم:
إما أن تكون داخل النظام العالمي كما نريده، أو نتركك تنزف ببطء.

المرحلة الأخطر ليست إسقاط الحاكم، بل تفريغ الدولة.

في العراق:
سقط النظام، وبقيت الدولة مكسورة حتى اليوم.

في ليبيا:
أُسقط القذافي، فُتحت أبواب الجحيم.

في سوريا:
لم يسقط النظام، لكن الدولة نُهكت حتى العظم.

وفي فنزويلا:
لم يسقط مادورو، لكن الشعب دُفع إلى الهجرة الجماعية.

هذه ليست أخطاء عشوائية.
هذه نتائج محسوبة.

الدولة الضعيفة أسهل في التحكم.
الدولة المنهكة لا تعاند.
والشعوب الجائعة لا تفكر في السيادة.


الديمقراطية كغطاء… لا كهدف

ترامب لم يكن مهتمًا بحرية الفنزويليين، كما لم يكن الغرب يومًا مهتمًا فعلًا بحرية العرب.
الديمقراطية هنا تُستخدم كـ«كلمة مرور» للتدخل، لا كمشروع بناء.

والمفارقة المؤلمة أن الشعوب التي صدّقت الخطاب هي نفسها التي دفعت الثمن.
العالم العربي دفع ثمن الثقة الزائدة، وفنزويلا دفعت ثمن العناد الكامل.

والدرس القاسي:
لا الإفراط في التبعية يحمي، ولا العناد الأجوف ينقذ.

ما فعله ترامب في فنزويلا رسالة لنا جميعًا:
السيادة في هذا العالم لا تُمنَح، بل تُنتَزع وتُدار بحكمة.

الدولة التي لا تمتلك اقتصادًا قويًا، ولا مشروعًا وطنيًا جامعًا، ولا وعيًا شعبيًا، ستُكسَر —
إما باسم الديمقراطية،
أو باسم الاستقرار،
أو باسم محاربة الفساد.

فنزويلا ليست بعيدة.
هي مرآة.
ومن لا يرى نفسه فيها… سيرآها متأخرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى