كانت التوابل أكثر من مجرد نكهة للطعام كانت رمزًا للثراء والسلطة وسلاحًا اقتصاديًا وسياسيًا في يد من يملكها.
فقبل اكتشاف النفط والذهب كانت البهارات تُعادل قيمتها وزنها ذهبًا حتى أن بعض المؤرخين وصفوا القرن الخامس عشر بأنه “عصر التوابل”.
ومن هنا بدأت رحلة الغرب الطويلة نحو الشرق بحثًا عن جزر العطور وانتهت الرحلة باحتلال واستعمار دام قرونًا طويلة.
الشرق… مهد التوابل وكنز العالم القديم
عرفت الهند وسيلان (سريلانكا اليوم) وجزر الملوك (إندونيسيا حاليًا) بأنها موطن التوابل الفاخرة: الفلفل الأسود القرفة القرنفل وجوزة الطيب.
وكانت طرق التجارة القديمة تمر عبر البحر الأحمر والخليج العربي ثم إلى الأسكندرية ومنها إلى البحر المتوسط تحت سيطرة العرب والمصريين والبيزنطيين.
لذلك كان الشرق هو المصدر الوحيد لهذه الثروة النادرة ما جعل السيطرة على طرقه التجارية مسألة حياة أو موت بالنسبة لأوروبا.
في العصور الوسطى كانت جمهوريات المدن الإيطالية مثل البندقية وجنوة تتحكم في تجارة التوابل وكانت تشتريها من التجار العرب بأسعار مرتفعة ثم تبيعها في أوروبا بأضعاف مضاعفة.
لكن مع سقوط القسطنطينية عام 1453 بيد العثمانيين أُغلقت الطرق البرية تقريبًا في وجه الأوروبيين فبدأوا يبحثون عن طريق بحري مباشر إلى الشرق لتفادي الوسيط العربي والعثماني.
وبدأت البرتغال السباق باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح على يد فاسكو دا جاما عام 1498 ففتح الطريق إلى الهند واحتكر تجارة التوابل.
ثم جاءت إسبانيا فمولت كريستوفر كولومبوس للبحث عن طريق آخر فانتهى به الأمر باكتشاف “العالم الجديد” (الأمريكتين).
تتابعت بعدها هولندا وإنجلترا وفرنسا في سباق محموم للسيطرة على الشرق فأنشأت كل منها شركات تجارية استعمارية مثل:
شركة الهند الشرقية الهولندية (VOC)
شركة الهند الشرقية البريطانية (EIC)
وهذه الشركات كانت في حقيقتها جيوشًا تجارية استعمارية مدعومة من دولها.
ومن ثم تحولت التجارة إلى احتلال فعلي حينما بدأت هذه الشركات تفرض سيطرتها العسكرية والسياسية على الموانئ والمدن.
في الهند بدأت بريطانيا بشراء التوابل ثم انتهت بحكم البلاد كلها حتى عام 1947.
في إندونيسيا احتكر الهولنديون تجارة القرنفل وجوزة الطيب بالقوة وقتلوا آلاف السكان الأصليين في جزر الملوك.
في سريلانكا تناوب البرتغاليون والهولنديون ثم البريطانيون على السيطرة فقط لأنها كانت غنية بالقرفة.
أصبحت التوابل هي الوقود الاقتصادي الأول للاستعمار الأوروبي ومنها بدأ عصر السيطرة الغربية على الشرق
وكانت نتيجة الصراع على التوابل
1. نشوء الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية.
2. انهيار اقتصادات الشرق التقليدية لصالح الشركات الغربية.
3. تغيير الخرائط الجغرافية والسياسية للعالم.
4. تطور الملاحة والاكتشافات الجغرافية الكبرى.
5. بداية نظام العولمة الاقتصادية المبكرة الذي تحكم فيه الغرب بالشرق.
يمكن القول إن بهارات الشرق كانت بذورًا زرعت في أرض الطمع الأوروبي، فنبتت منها أشجار الاستعمار.
ورغم مرور القرون ما زال العالم يعيش آثار تلك الحقبة التي بدأت برغبة في “نكهة” وانتهت بسيطرة على “قارة”.
فالتوابل لم تغيّر فقط طعم الطعام بل غيّرت طعم التاريخ الإنساني كله.
لم أكتب هذا المقال أعزائى القراء من أجل إسترجاع جزء من التاريخ أو إستعراض ما درسته أعوام في كلية الآداب قسم التاريخ ولا لأي سبب قد يكون واهياً عالأقل من وجهة نظري ولكني كتبت هذا المقال لأنه فرض وواجب عليّ نحو وطني وأبناؤه الكرام فمن لا يقرأ التاريخ سيعيد نفس الأخطاء مع اختلاف الزمن و الشخصيات فإذا كانت التوابل محركاً اساسياً لأحتلال الشرق يوما ما فما هو أعظم منها سيكون هدف وصيد ثمين لأحتلاله مرة أخري الأن.
وإسمحوا لي أن أذكر المراجع والمصادر التى إستعنت بها فى كتابة المقال حتي تكون بين أيديكم إن أردتم مزيدا من المعلومات حول هذا الموضوع..
وِل ديورانت – قصة الحضارة، الجزء السادس: عصر الإصلاح
فرناند بروديل – الحضارة والرأسمالية من القرن الخامس عشر إلى الثامن عشر
جون كاي – طريق التوابل: تاريخ رحلة النكهة التي غيّرت العالم
د. حسين مؤنس – تاريخ أوروبا وحضارتها في العصور الوسطى
د. شوقي الجمل – الكشوف الجغرافية والاستعمار الأوروبي
د. عبد العزيز نوار – تاريخ العالم الحديث والمعاصر
زر الذهاب إلى الأعلى