مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : أُمَّــة اقرأ .. حتمًا ستقــــرأ !!

مقولة شائعة متداولة بين الناس؛ ربما يستخدمونها لتعزية النفس عن انفصام وتفكُّك بعض عرى وأواصر الصداقة الحقة؛ وتقلص نسبة الوفاء والإخلاص الواجبة في العلاقات الحميمية، واختلاط المفاهيم الحقيقية لوشائج العلاقات الإنسانية . وهذه المقولة الشائعة هي: الوِحدة ـ بكسر الواو ـ خيرٌ من جليس السوء ! ومباشرة يقفز إلى الذهن سؤال بديهي : ولمَ الوِحدة والانطواء والتقوقع والإنكماش داخل الذات ؟ أو الرضا والاستكانة والقبول بجليس السوء ؟ وهناك ” الكتاب” على الأرفف ينتظرك ـ بكل الشوق ـ ويفتح ذراعيه بكل مايجعلك تحلِّق بين دفتيه في كل العوالم بالعلوم والمعارف ـ شريطة حُسن الاختيار ـ عبر سطور صفحاته المضيئة التي تثري الفكر والوجدان بكل ماهو صالح للحياة السويَّة؛ ويضيف الرونق الجمالي واللمسات الحانية على جفاف بعض جوانب الحياة . فالكتاب ـ كما يقول الجاحظ ـ : ” هو الجليس الذي لايُطريك، والصديق الذي لايُغريك، والرفيق الذي لايَملَّك، والصاحب الذي لايريد استخراج ماعندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال عليك بالكذب” .

 

أي أنك أنت صاحب الاختيار الأمثل في صحبته ومصادقته؛ والتعرف إلى مايحويه من أفكار ورؤى ، تتفق وتختلف معها بينك وبين نفسك وقناعاتك، فإذا اكتشفت ـ بعد السباحة بين أمواجه ـ أن مفاهيم كاتبه لاتتفق ورؤيتك ورؤاك؛ نحيته جانبًا والتقطت غيره، ولكن بعد أن يترك بداخلك انطباعات ـ حتمية ـ موجبة أوسالبة عن مفاهيمك قبل مصادقته في رحلة القراءة . فالقراءة هي أوّل ما أمرنا به الله عزّ وجلّ؛ فقد كانت أول كلمة من القرآن الكريم هي “اقرأ” في أول آية نزلت على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم : “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” ، إشارة إلى أهمية القراءة في حياة الإنسان ، فكل سباحة مع كتاب كتاب تنقلنا إلى عالم آخر؛ نشعر فيه بأننا جزء لايتجزأ منه ، ويحضرنا وصف الكتاب على لسان المتنبي : أعز مكانٍ في الدُّنا سرْجُ سابحٍ ** وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ ! والقراءة ـ في مفاهيم أحد المتخصصين هي : “من المهارات الأساسية التى تركز عليها النظم الحديثة؛ فهي تمكن المتعلمين من الحصول على المعرفة واكتساب المهارات الأخرى، كما تسهم في صنع الفرد وتدعم ثقته بنفسه وتساعد على تنمية لغته، كما أن لها أهمية على المستوى الفردي والمجتمعي حيث تستخدم كوسيلة علاج فعال تحت إشراف الطبيب النفسي أو الأخصائي النفسي حيث يطلق عليها العلاج بالقراءة أو “الببيليوثيرابيا”؛ ولذلك تعتبر القراءة من أهم المعايير التي تقاس بها المجتمعات تقدمًا أو تخلفًا، فالمجتمع القارئ هو المجتمع المتقدم الذي ينتج الثقافة والمعرفة، ويطورها بما يخدم تقدمه وتقدم الإنسانية جمعاء، إنه المجتمع الذي ينتج الكتاب ويستهلكه قراءةً ودرسًا، كما إنها تروِّض الفكر على سلامة الفهم والمراجعة والتمحيص، وتنمي القدرة على النقد وإصدار الحكم، وتشكيل الفكر الناقد للفرد وتنمية ميوله واهتماماته” .

 

وكان من أوائل المكتبات التي أُنشئت قديمًا مكتبة الإسكندريّة على يد اليونان قبل الميلاد؛ فعكست حضارة اليونان وثقافتهم واهتمامهم بالكتابة والكتاب، ثم استمر الاهتمام بالكتاب حتى جاءت الحضارة الإسلامية لتوليه رعايةً خاصة، ومن بين الخلفاء المسلمين الذين اهتموا به وما ينطوي عليه من علوم الخليفة العباسيّ “المأمون” الذي جعل لكلّ من يقوم بترجمة كتاب أجنبي وزنه ذهبًا، وأسَّس دارًا أطلق عليها “بيت الحكمة ” كانت أشبه بالمكتبة العامّة والمجمع العلمي الذي يلتقي فيه العلماء والفلاسفة ويتناقشون ويتحاورون فيما بينهم، فالكتاب في حياة الإنسان هو سجل للتّاريخ قديمًا وحديثًا، فنحن نعرف تاريخ الشّعوب والحضارات السّابقة من خلال الكتب التي سطرها المؤرخون بمدادٍ من ذهب، وفلولاه لأصبحت أخبار كثيرة من تلك الحضارات في طيّ النسيان ؛ فهناك الكثيرمن كتب الآثارالتي ذهبت بالقارىء إلى بلدان بعيدة ما كان يمكن للإنسان التّعرف عليها لولا الكتاب، ومثال ذلك الرّحلات التي قام بها “ابن بطوطة”ودوّنها في كتابه الشهير”تحفة النُّظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” .

 

ويعد الكتاب أداة ترفيه عن النّفس والتسلية، ومثال ذلك أيضًا كتب الطرائف والقصص المضحكة عن البخلاء والأغبياء وغيرهم ككتاب “البخلاء” للجاحظ، وكتاب “الأذكياء” لابن الجوزي، بالإضافة إلى الشعر والأغاني وعلوم الفلك والطب والرياضيات … إلخ ،وأخيرًا الكتاب كمعبّرعن مدى تقدّم الإنسان ورقيّه، فالإنسان الذي يعتمد على الكتب في مجال عمله وحياته هو إنسان يسعى للتّقدم والتّطور والوصول إلى الأرقى والأرفع .

 

ويؤلمني دائمًا مايتداول على ألسنة البعض؛ من أن أُمَّـة “اقرأ” .. لاتقرأ ! فهي مقولة تحتاج إلى المراجعة والفحص والتدقيق والتمحيص؛ فهي صحيحة من جهة انحصار القراءة في نطاق محدود؛ ومجافية للواقع من جهة أخرى؛ فالحقيقة أن الغالبية العظمى تقرأ بالفعل .. ولكن ماذا تقرأ؟ إنهم يقعون فريسة لبراثن القراءة التي لاتعطي للعقل حق المناقشة والخلاف والاختلاف؛ فالقراءة تنحصر في أوراق التراث الفكري والعقائدي الذي يشترط عليك ـ قبل القراءة ـ الأخذ به كمسلَّمات لاتقبل الجدل أو المناقشة؛ وعليه يتم إغلاق منطقة التفكير والتدبر في العقل الباطن، ليصبح كالأسفنجة اللينة التى تمتص وتستوعب؛ دون إعمال لملَكة الفكر الذي وهبه الله لعباده الأسوياء؛ ومن الطبيعي ألا تفرز تلك العقول إلا مااستقت من نبعه ! فهلاً وضعنا نصب أعيننا مواطن القصورفي التلقي المعرفي لدينا؛ حتى نضع العلاج الذي منه ـ في اعتقادي ـ ضرورة الانتقاء لأمهات الكتب على تنوعها كلُ بحسب ميوله في الاختيار؛ والغوص في أعماقها قراءةً وفهمًا وتطبيقًا وإعمالاً للعقل؛ لإطلاق قناعات القارىء الشخصية وتشكيلها؛ حتى يحق لنا أن نفخر ونقول : أن أُمَّـة “اقرأ” .. حتمًا ستقرأ .. وتفهمً وتعي !

 

أستاذ العلوم اللغوية ــ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان
    تحياتي لكِ لهذه الجرأة والجسارة في محاولة إيقاظ الوعي العربي من سباته؛ والتنبيه للخطر المحيط بعقول الأمة التي استكانت للتراث الجامد الذي لايتفق ولا يتماشى مع متطلبات العصر؛ وكأنكِ تطلقين موجات كهرومغناطيسية في شرايين الجسد الثقافي بأكمله؛ ليتقدم إلى الصدارة بالتسلح بالقراءة الواعية المجدِّدة باستمرارية لاتتوقف؛ لمواكبة كل المستجدات في مجتمعاتنا التي تكلست مفاصلها بفعل الركود والاستسلام وعدم إعمال الفكر للتقدم .

    وقال الله عز وجل في حق اليهود : بســـــــــــــــــــــــم الله الرحمن الرحيم
    ” مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ
    وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ..
    ………………………صــــــــــــــــــــدق الله العظيم ( الجمعة : 5 )
    ونحن لانريد أن ينطبق علينا هذا القول .. كأمة علمت العالم منذ فجر التاريخ كافة العلوم الفلكية والطبية والأدبية؛ واختطف الغرب كل إبداعاتنا وحاول طمس هويتنا بكل الطرق غير المشروعة . وأؤمن أشد الإيمان بدعوتك الرائعة وأضم صوتي إلى صوتك ؛ ودعوتي للجميع بتبنِّي هذه الدعوة ونشرها في كل المجالات .
    لاحرمنا الله من رؤيتك ورؤاك الرائعة .. لعل الأجيال الجديدة ـ من العاملين في مجال الإعلام ـ تعي وتفهم وتقدّر دورك الرائد وأستاذيتك في المجال الأكاديمي ؛ وتتلمذك على أيدي عظماء هذا الجيل من العلماء والأدباء؛ فكنتِ خير سفير في روعة استيعاب علومهم والزيادة عليها من فكرك وعقلك الراجح الذي يفتش بكاميرا الأعماق ويعكسه قلمك الصادق عن كل ماتحتاجه هذه الأمه من علوم؛ والإشارة الصريحة الجريئة إلى ضرورة سرعة الاستفادة منها لكي نتقدم الصفوف كما كنا منذ فجر التاريخ .

زر الذهاب إلى الأعلى