د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : المؤسسة العسكرية وحل مشكلة الإتصالات

كنت أستهجن ـ بيني وبين نفسي ـ وينتابني الغيظ ، حين أقرأ المكتوب على خلفية سيارات النقل الخفيف والثقيل والميكروباص والأجرة عبارة ” كفاية كلام .. يابلد الكلام ” !!، وكان اعتراضي على اتهامنا بأننا كسالى لانعمل ونقضي الوقت في الكلام ولا شيء غيره ، ولكن بعد معرفتي أننا بالفعل نتكلم ـ في الهواء ـ فيما بيننا عن طريق الآلة الجهنمية المسماة بالمحمول بحوالي 30 مليار جنيه في العام ، توقفت عن الاستهجان والغيظ من تلك العبارات ، وبدأت استهجانًا وغيظًا من نوعٍ آخر أشد وأكبر، ناهيك عن غيظي من استهلاك الشعب المصري لـحوالي 10 مليار جنيه على اللب والفول السوداني تسلية وقزقزة ولهوًا في الفراغ اللانهائي !
ومن الطبيعي أن السلعة الرائجة ـ بحسب نظرية العرض والطلب ـ يسعى منتجوها إلى الحرص الدائم على ارتفاع أسعارها ؛ حتى لو كانت هذه السلعة مجرد ( هواء ) ؛ منحه الله لعباده لممارسة لعبة الحياة ، وهي في الحقيقة تعطي ( خدمة ) ضبابية ، وليست ( مُنتجًا عينيًا ) ! فكيف تخضع لضريبة القيمة المضافة التي تتراوح بين 13 و 15 بالمائة على السعر الأساسي؟ ؛ وهي ضريبة مركبة تفرض على (الفرق بين سعر تكلفة السلع والخدمات وسعر بيعها للمستهلك النهائي) ، على اعتبار أن المنتج العيني يحتاج إلى تعبئة وتغليف وتحميل وتوزيع وتفريغ وتخزين، يقوم بها ( الهواء الربَّاني ) دون أية زيادة في الأعباء أو تدخل العامل البشري في تلك الدورة ، وصحيح أن هناك تكلفة للأقمار الصناعية وأجهزة البث والاستقبال ؛ ولكنها تكلفة لمرة واحدة مع استمرار الصيانة والإحلال والتجديد كل فترة ، لكنها ليست بحجم وكثافة السلع المادية المنظورة ، بل تقوم الشركات المستوردة بالتحصيل مقدمًا لثمن أجهزة ( الاستقبال/الريسيفر) وثمن استقبال ( الشبكة/النت) المفترض ـ حسب الموجود في كل دول العالم المتمدين ـ بالمجان؛ علاوة على اختراع “الباقات المميزة” والمواقع الخاصة “جدًا” التي ماأنزل الله بها من سلطان ! ناهيك عن سوء الخدمة والبطء الشديد في السرعة للشبكة الرئيسية /النت ، وبرغم تحصيل رسوم تمغة على كروت الشحن ،فإنها غير متوافرة بالشكل الأنسب واللائق لدى كل الموزعين ، وبزيادة الرسوم عند شحن الكروت “على الطاير”، وهم بهذا يقومون بالتحصيل لثمن الخدمة مرات متعددة .
ونحن نعلم أن سوق الإتصالات تتوزع في مصر بين أكثرمن لاعب على الساحة، ويختلف اللاعبون وقوتهم بحسب قطاعات الإتصالات المختلفة ، أما بالنسبة للتليفون الأرضي؛ فتستأثر به الشركة القومية “المصرية للإتصالات” ولكامل البنية التحتية ومستخدمي التليفون الأرضي نظرًا لوضعها القانوني المميز؛ وهذا طبيعي حتى لاتكون خصوصياتنا وأسرارنا وأدق تفاصيل حياتنا تحت نظر ومتابعة الشركات الخاصة التي لايهمها سوى الربح والربح إلى آخر مدى .
من هنا نبدأ المطالبة بأن تكون الشركات الخاصة المملوكة لأفراد من رجال الأعمال والمستثمرين المصريين ـ لانشكك قيد أنملة في نزاهتهم ـ تحت الإشراف الكامل والسيطرة من الدولة؛ والخضوع لكل التوجهات القومية الوطنية لصالح الوطن ومواطنيه ؛ مع تحديد تكلفة الخدمات الرئيسة والفرعية في قوائم معلنة ومعروفة للجميع ، وبما يتلاءم مع التكلفة الحقيقية للخدمة المقدمة دون أدنى مبالغة ؛ ولا تُترك بين أيدي الدخلاء لغرس الطمأنينة والسرية التامة على كل معاملاتهم وأفكارهم وآرائهم السياسية والثقافية والفنية والاجتماعية والاقتصادية ؛ وحتى نضمن الضمان الكامل أن العقل الجمعي في أمان ووقاية من التنصت والتلصص والتجسس على الحياة الخاصة لكل فرد .
ورغبة من المصريين في كافة الأرجاء ، قامت الحملات الشعبية التي تطالب الجيش بإنشاء شبكة إتصالات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بالمحمول وتقديم خدمة الإنترنت يكون رأس المال المخصص لها مصري مئة بالمئة ؛ مع طرح أسهم الاكتتاب العام في رأس المال في البورصة المصرية ، لضمان الإنجاز المتفوق والخدمة المميزة ، ومما لاشك فيه ولا جموح أن هذا الحل منطقي وله وجاهته وانعكاسه على الأمن القومي وخدمة الشعب الذي يعاني من استغلال شركات الإتصالات ، خاصة بعدما شاهدت جموع المواطنين الإنجاز الرائع الذي تم في تفريعة قناة السويس ، فالقوات المسلحة مؤسسة لها احترامها وتعمل في الصالح العام؛ دون أطماع رأسمالية لاتقف عند حدود ، ولأن الجميع يعلم أن الربح ليس من سياسات القوات المسلحة في مشاريعها ، وخصوصاً التي تتعلق بالمواطن البسيط ، فالجيش يمتلك من المهارات الفنية والتكنولوجية مايؤهله لإعلان قيام تلك الشركة في فترة وجيزة وعلى أعلى مستوى فني وتقني، فهذا هو قدر قواتنا المسلحة التى تضطلع بتخفيف الكثير من الأعباء عن كاهل الشعب لنصرة الوطن .
ومن منبري هذا أوجه دعوتي إلى كافة طوائف الشعب بتبني هذه الحملة ، حتى تلتفت المؤسسة العسكرية إلى هذا الاقتراح البنَّاء ، برغم علمي التام أنها ليست بعيدة عن نبض الجماهير والإحساس الجمعي في الشارع المصري ، ونبض كل الشرفاء الذين يطمحون في الغد الأجمل .
أستاذ العلوم اللغوية بأكاديمية الفنون





