مقالات

الدكتور ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز: أرواح الصراصير و الأحذية المقدسة

هل يدخل المتقون الجنة بأحذيتهم؟الإجابة المنطقية هي أنهم لا حاجة بهم إلي ذلك!و لكن المصري القديم اعتقد بأن مروره علي جسر العالم الآخر للقاء الآلهة ،بعد الموت، مشروط بألا يكون حافيا، و بذلك كانت الأحذية في شكل الصنادل مقدسة وأحد شروط القبول الإلهي في الآخرة.و من الصحيح أننا لم نشاهد تماثيل الملوك إلا حفاة و لكن هذا لا يمنع من أنهم كانوا ينتعلون الصنادل في الواقع، و أن الخدم كانوا يحملونها عنهم من خلفهم، و أنهم بوصفهم أنصاف آلهة – سوف يتحولون إلي آلهة كاملين بعد الموت – لابد من انتعالهم الصنادل البيضاء الدالة علي نقاء سرائرهم.و يجب أن نلاحظ أن الدلالة الرمزية الدينية للأحذية هنا سبقت تاريخيا الدلالة الرمزية المهمة لأغطية الرأس فيما بعد عند أهل الديانات السماوية المعاصرين لهم و خاصة اليهود ،و المسلمين من بعد. و من المعلوم أن الحذاء – علي صورة ما- كان أول اختراع بشري؛ فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي ينتعل الحذاء ، ذلك لأن وظيفة الأقدام لديه مختلفة عن وظائفها فيما سواه :أي الثبات و الاتزان ،أما في الحيوانات فيضاف إلي ذلك وظائف مركبة مثل الإمساك و التشبث و التدلي من أعلي، فلا تناسبها الأحذية أساسا.

 

و تعد قصتا الحذاء و غطاء الرأس من أهم مصادر التاريخ الروحي و الاقتصادي و الاجتماعي …فضلا عن الأبعاد الجمالية و الأخلاقية؛و لا عجب،فإن أقدام الإنسان و رأسه يعدان أهم أشيائه للدلالة علي مكانته عند الله و المجتمع، فبالأقدام يتحرك في المكان، و بالرأس يتحرك في الزمان و يفلت منه، و يطويه كما شاء حيث كان! و برغم الأهمية الدينية و الاجتماعية للحذاء عند المصري القديم – إلي الحد الذي يرفض فيها رؤية الحذاء مقلوبا و يتشاءم من ذلك لأنه يراه إهانة لوجه الآلهة إذ ينظرون إليه – فإن إله موسي أمره بخلع نعليه عندما وطأت قدماه الأرض المقدسة في شرقي مصر.و السؤال الآن هو:كيف يمكن لموسي الذي يعده بعض المفكرين اليهود مصري الديانة أن يحل لنفسه في شرق النيل ما تحرمه ديانة المصريين علي الجانب الآخر منه؟! و يقول بعض المفسرين إن هذا الأمر لا يعني أن الأحذية مدنسة من حيث المبدأ بل يعني احتمال عدم نظافتها وعدم لياقتها مع موقف القداسة.و للرد علي ذلك نحيل إلي حديث نبوي ورد في سنن أبي داود يقول:”خالفوا اليهود…فإنهم لا يصلون في نعالهم و لا خفافهم” تماما مثلما أمر الرسول في حديثه – في الصحيحين – بمخالفة اليهود بصبغ الشعر؛فإنهم ما كانوا يصبغون.و معلوم أن المصريين القدماء كان يصبغون كما كانوا يتحلون بالشعر المستعار،بل بوصلات الشعر حتي بعد الموت، للقاء الآلهة بشعر سليم! إذن لم يأخذ اليهود ذلك عنهم.و مع ذلك كان المصريون يغطون رءوسهم،و لم يكن لذلك عندهم دلالة دينية فيما أعلم ،بعكس اليهود و المسلمين فيما بعد. و في عصور تالية ضمت الأحذية إلي وظائفها السابقة وظائف سلبية فأصبحت أداة للقتل المهين للخصوم و الحشرات،فضلا عن كونها أشارة مهينة بكل ما يتعلق بها من حروف الجر المكانية.و المشكلة هنا هي في المسارعة إلي قتل الحشرات التي يقال إنها بلا روح و أشهرها الصراصير و اعتبارها بلا قيمة.و يحلو لبعض المفتين أن يجادل في وجود أرواح الحيوانات و طبيعة هذه الأرواح إن وجدت. و غالبا ما يخلط المفسرون بين الروح و الحياة،و لا يمكن حسم مشكلة ليس لها حل عملي و إن كانت مهمة في مجال حقوق الحيوان.و قد وقف النبي احتراما لجنازة يهودي بحجة أنه نفس،بمعني أنه روح من نفخ الله، و بالتالي فهي مقدسة من حيث المبدأ لأنها فارقته، أي لأنه أصبح ميتا، بعكس الأمر لو كان حيا؛ حيث تفرقنا العقائد.و بالقطع لم يثبت أن نبيا من الأنبياء وقف إجلالا لقدسية حيوان ميت،بما يدل علي أنها بلا روح ، علي الأقل،كأرواحنا. و لكن بعيدا عن فكرة الدفاع عن الحشرات و الصراصير خاصة، فإن العلم لا يزال يبحث في منافع الكائنات التي تحتقرها أحذيتنا المقدسة، و قد أدرك العلماء فعلا أن الصراصير- بقدرات حيوية استثنائية – هم الورثة الحقيقيون للبشر بعد عمر قصير! و أن الروح في حد ذاتها ليست فضيلة للكائنات أيا كانت، بل الأهم هو عملها طبقا للفضائل مهما كانت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى