الدكتور ظريف حسين يٌكتب لـ الأنباء نيوز : القنافذ أيضا تحب

ما الذي يجعل الكون واحدا حتي لو ضم في جوفه عدة أكوان؟ إنه الحب.و تاريخيا تم تفسير وجود الأشياء بقوة الحب و انتصاره علي الكراهية ( الموت)، حتي لقد قامت ديانات علي تأليه الحب و الكراهية لتصبح الحياة صراعا داميا بينهما في صورتي النور و الظلام ، و أخيرا في صورتي الخير و الشر، و في العصور الأحدث انقلب الوضع فقد أصبح الخير و الشر و النور و الظلام مجرد رموز إلي الحياة الإلهية أو الشيطانية، و الأهم من ذلك هو تحويل الإله إلي “حب – الله محبة -“بدلا من أن كان الحب إلها- و هو تحول كامل عن الوثنية -كما أصبح الحب قاطرة الحضارة و سيدا للقيم الدينية و الأخلاقية، و تجسيدا لإخلاص العبادة و نقاء العقيدة. و برغم أن جميع الأشياء تحيا بالتوازن بين الأضداد، أي بين عوامل الهدم و عوامل البناء في العالمين العضوي و الجيولوجي، بين قوي الجذب و التنافر في العالم الطبيعي فإن وحدة الكون و تماسك بنائه يدلان علي غلبة الحب علي نقيضه.
و ينشأ الانهيار في العالمين النفسي و الاجتماعي عندما نكره الحب و نحب الكراهية ! و برغم أن الحب كان و لا يزال هو الموضوع الأهم في الأعمال الفنية و الأدبية خاصة فمن النادر أن نجد معالجات نظرية له في تراثنا، و الأغرب من ذلك أن تأتي أبرز الدراسات النظرية عنه من كبار فقهاء الإسلام مثل ابن حزم الأندلسي صاحب كتاب”طوق الحمامة…”، و الإمام السيوطي مؤلف”نواضر الأيك…”، و أخيرا ابن قيم الجوزية في كتابه”روضة المحبين و نزهة المشتاقين”،و لم يتفوق الشعراء علي هؤلاء إلا في الكم ، و لكن الحب ظل عندهم مسألة شخصية سرية أو مجرد علاقة بين رجل و امرأة في الأحوال الطبيعية! و لكننا و مع كثرة كلامنا عن الحب غالبا ما نسلك ضده، و قد تكون لدينا الأسباب كي نتخلي عنه في الأمور التي لا نألفها ، أو التي لا نجتهد في تفسيرها ، و بذلك تتكون كراهية عارضة يمكن التخلص منها بإعمال العقل و العلم لتتحول إلي حب أو إلي حياد علي الأقل، فنحن مثلا ننظر إلي القاضي الذي قد يحكم بإدانتنا نظرة محايدة لأننا نؤمن بحياده قانونيا و شخصيا ،و علي عكس ذلك تكون نظرتنا إلي من يظلمنا بغير علم منه و غاية له من ذلك إلا الظلم و الإيلام. و بصفة عامة فإن للكراهية نوعين: الأول: كراهية نفسية ، و هي التي تتكون بوصفها ردودا علي أفعال ضدنا قد نراها غير مبررة و بالتالي لا نستحقها. و هذا النوع يمكن التغلب عليه بالتعقل و الاستبصار و التعاطف مع الآخر و التسامح مع بعض ما نكره. و النوع الأخير: هو الكراهية الوجودية، و هي التي بموجبها نكره لا الأفعال المكروهة بل مجرد وجود فاعلها، و بالتالي نرجو زواله و ننشط في الكيد له و الاستمتاع بعذابه، و كما لو كانت الكراهية غاية لذاتها،و يبدو أنها معضلة لا خلاص منها. و لكن في جميع الأحوال لا يجب اليأس من قدرة عقلنا و علمنا علي قهر الكراهية، و لا يجب أن ننسي أن الأشواك الإبرية التي تحمي بها القنافذ نفسها من أعدائها و تهلك بها عتاة الشر في عالم الحيوان مثل الأفاعي و العقارب و الحيات- إن هذه الأشواك لا تمنعها من الحب و الحنو علي صغارها و التواصل مع غيرها بدليل عدم انقراضها حتي الآن.و إذا كنا قد نقع في الحب بلا وعي منا، فإننا غالبا ما نكره بلا وعي أيضا.





