تغريد مصباح .. تكتب .. البريئة

جلست على مكتبها وأمامها عشرات الملفات ، لا يكاد يُرى وجهها المكفهر من التعب والإرهاق ، فهي كما يقال عنها ( حمار شغل) ، في حين أن زملاء المكتب ، منشغلون طوال الوقت بأمور خارج إطار العمل .. تقشير البطاطس ، حل الكلمات المتقاطعة ، اللعب عبر الهاتف النقال ، الشات عبر الماسنجر و الواتساب ، مطالعة الصحف والمجلات .
شعرت بإرهاق في عينيها ، فخلعت نظارة القراءة وأخرجت منديلاً من حقيبتها ، وأخذت تمسح العدسات بعناية ولكنها اصطدمت بزملاء العمل ، يتجمعون حولها ويحملقون فيها ، اندهشت وهم يطالعون إحدى المجلات ويتابعون النظر إلى وجهها ، وحينما بدأت تسأل عن السبب ، قامت إحدى زميلاتها بوضع المجلة بجوار وجهها ، وبدأت العبارات تتردد في أنحاء المكتب .. شبهها بالضبط .. إيه جاب لجاب … يخلق من الشبه أربعين …. لا طبعا هناك فرق
جذبت المجلة من يدها ، وأخذت تحملق فيها ، فرأت صورة مطربة شابه ، ولكنها تشبهها تماما ، أخذت تتأمل ملامحها بوجهها الخمري، وعيونها الواسعة وشعرها الأسود الطويل .. لكنها لم تبدي أي اهتمام ، وألقت بالمجلة على المكتب ، وتابعت عملها بجدية ، متجاهلة كل ما يدور حولها .
غير أنها سرحت بخيالها بعيداً ، لمجرد أنها تشبه هذه المطربة ، لفتت انتباه الجميع ، فالتفوا حولها ، لأول مرة يشعرون بوجودها ، بعدما كانت كماً مهملاً ، لا فرق بينها ، وبين أي قطعة أثاث بداخل المكتب .
طوال طريق عودتها من العمل ، وهي تفكر فيما حدث ، وحينما عادت إلى البيت ، أخذت تبحث عبر الانترنت عن صور المطربة ، أخبارها ، تدقق النظر في تسريحة شعرها وملابسها ، أخذت تفتش في ملابسها ، عن ملابس تشبه ما ترتديه المطربة ، أخذت تمشط شعرها بنفس التسريحة ، تضع الماكياج بعناية، فتحولت إلى نسخة منها .
فجأة دخلت عليها أختها، لتذكرها بميعاد حفلة زفاف جارتها الليلة ، لكنها اندهشت حينما رأتها ، لقد أصبحت نسخة طبق الأصل من المطربة المشهورة .
في حفلة الزفاف ، شعرت بسعادة غامرة ، والجميع ملتفون حولها ، يلتقطون الصور التذكارية ، ومطرب الحفل يغنى أغاني المطربة المشهورة ، وهو يدور حولها ، وكأنه يغني لها ، فأصبحت محط أنظار شباب الحفل ، ونسي الجميع العروس ، وأصبحت هى حديث الحفل والشارع .
لم تنم طوال الليل ، من التفكير في هذا التغير ، الذي غمر حياتها ، فحولها إلى كتلة من السعادة ، فتمادت في ممارسة اللعبة باحترافية شديدة ، شعرت بنشوة من ارتداء ذلك القناع الذي غير حياتها للأفضل .
في الصباح ذهبت إلى العمل ، وهى ترتدي ملابس شبيهة بملابس المطربة المشهورة ، فتكرر ما حدث في الحفل والشارع .. لقد أصبحت كيانا ، ومحور اهتمام المحيطين بها ، مما أشعرها بسعادة لا توصف ، كانت تقضى أوقانا طويلة ، على شبكة الانترنت ، تفتش عن أخبار المطربة المشهورة ، تستمع طوال الوقت إلى أغنيها ، تضع صورها على حوائط غرفتها ، تشعر بسعادة بالغة ، حينما يناديها احد باسم المطربة ، تبحث في نظرات الشباب عن الإعجاب ، وفى نظرات البنات عن الغيرة ، فيطير قلبها من السعادة .
وبينما هى جالسة على الانترنت ، تطالع أخبار المطربة المشهورة ، حتى طالعها خبر، ُصدمت منه غاية الصدمة ، بل اعتبرته أسود خبر في حياتها ، اعتقدت أنها لابد أن تكون إشاعة مغرضة ، من احدي الحاقدات على المطربة ، إنها تلك الحرب المستعرة ، بين نجمات الوسط الفني ، للفوز بالعدسات والإعجاب ، ظلت تفتش في كل المواقع عن صحة الخبر ، والجميع يؤكد صحته .. يا للكارثة !
.. لقد تم القبض على المطربة الشابة ، في أحد الفنادق الكبرى ، وهى تمارس الرذيلة مع احد الأثرياء العرب ، وجارى التحقيق معها .. انقبض قلبها ، شعرت أن الدنيا تدور برأسها ، ما بال الدنيا ترتفع بها إلى أعلى ، وتلقى بها نحو الهاوية ، يا للحظ التعس ، يا لشماتة من حولها .. كيف حدث هذا ؟
على مدار أيام ظلت حبيسة البيت ، خشيت أن تواجه المحيطين بها ، أغلقت عليها غرفتها ، رفضت الخروج مطلقا ، رغم توسلات أسرتها ، للخروج من تلك الحالة ، شرعت تصرخ بهستيرية شديدة ، في صور المطربة المعلقة على الحائط ، تعاتبها على هذا الفعل الشنيع ..
.. ألا تكفيك كل تلك الشهرة .. الأموال .. حب الجماهير .. نظرات الإعجاب .. الاهتمام في كل مكان تحلين به ، أنت لا تستحقين كل هذا .. أنت عاهرة رخيصة ، مكانك الحقيقي وراء القضبان .. تبا لك يا كاذبة ..
وفجأة دقت أختها باب غرفتها ، وأخبرتها بان زملاء المكتب ، جاءوا ليطمئنوا عليها ، بعد غيابها عن العمل لفترة طويلة ، ورفضها الرد على الهاتف النقال ، وبعد إلحاح شديد من الجميع ، اضطرت إلى فتح الباب ، لتتخلص من إزعاجهم ، الذي يصيبها بصداع شديد ، ولكنها صرخت فيهم ، وهى تبكى والدموع تغرق وجنتاها :
ـ والله العظيم بريئة …





