Uncategorizedأخبار عاجلةمقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب : رفقا” بكبار السن

 

إقرأوا معى هذا الإعلان .. وتعالوا معى إلى كلمة ٍ سواء : ” أنا شاب 26 سنة من الصعيد ومقيم بالقاهرة بكالوريوس تجارة ،غير مدخِّن صبور وحنون أرغب في العمل جليسًا لمسنْ فى المنزل ، أجيد التعامل مع المسنـِّين وأيضا أجيد الطهى وكافة الأعمال المنزلية الأخرى !! ،أ ولكم جزيل الشكر رقمى ………….. ” هذا الإعلان المنشور على صفحات “الفيس بوك” وربما على صفحات الجرائد القومية ؛ على قدر مايحرك أحاسيس الشجن والحزن فى روحى ، فإنه يحرِّك ـ وبالقدر نفسه الإعجاب والتعجُّب ـ ملايين الأسئلة الواجبة الطرح على الرأى العام فى بلادنا التى يعرض فيها “شاب بكالوريوس تجارة”العمل كجليس لأحد المسنين ، تمامًا كما تعرض جليسات الأطفال أنفسهن للعمل مقابل مرتب يسد الحاجة إلى متطلبات الحياة . وتذكرت على الفور هذه الشريحة التى قد نسيناها كثيرًا فى زحمة أحاديثنا عن الإصلاح والتنمية والخطط المستقبلية للوطن وعن دور الشباب الفاعل فى تحقيق هذه الخطوط العريضة للأمنيات والأحلام . وعفوًا إن ذكرت عبارة “شريحة قد نسيناها “لأصحح العبارة إلى “شريحة قد تغافلنا عنها” وهى الشريحة التى تمثل حوالى 5% من السكان .. ألا وهى شريحة أصحاب الخبرة والشعر الأبيض وغالبًا الكثير من الأمراض ووهَن العظام والذاكرة ، وهم كبار السن أو المسنِّين ، وبتعبير أولاد البلد : الناس الكُبَّـارة ! وهم بالفعل كبارًا فى الخبرة فى معركة الحياة الطويلة ، والمعارك الحياتية لابد أن تترك آثارها على الملامح والأجساد ، وتترك بصماتها على جدران الأرواح المتعبة قرب نهاية المشوار .. ليعودوا منهكين بعد هذا الماراثون الطويل فى اتجاه المنعطف الأخير الذى قد يطول أو يقصُر ، ولكنه بالتأكيد لن يحمل فى طياته الحيوية التى كانت فى أول انطلاق المسيرة . وقفزت إلى ذهنى الآية الكريمة :اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ . سورة الروم ( 54 ) لذا .. تجىء دعوتى للنظر بعين الرعاية من الدولة تجاه الذين وهبوا حياتهم لوطنهم بكل طاقاتهم بعدما تلاعبت بهم الحياة وبعد عنهم الأبناء بالهجرة أو السفر لكسب الرزق او بالتشاغل العمدي والعقوق فأهملوا وتركوا في مهب الريح! ولعل التجربة اليابانية خير شاهد على الرفق بهذه الشريحة المهمة فى حياتنا ، إذ قامت الحكومة اليابانية بدراسة عن قيمة تكلفة الفرد المعيشية والمقارنة بينها وبين التكلفة عينها فى “سويسرا” ، فاتضح أنها أقل كثيرًا عنها فى اليابان مع الخدمات العالية والأجواء الصحية النقية ، فقامت بإرسال قوافل هؤلاء المسنِّين للإقامة الدائمة بسويسرا مع تكفل الحكومة بكل النفقات السنوية بدءًا من تذاكر السفر والإقامة إلى أن يقر الله أمرًا كان مفعولاً ! فكان هذا أعظم تكريم وتعظيم لقيمة كل من خدم الوطن بأمانة . فهل لنا اليوم هُنا فى مصرنا الحبيبة أن ننظرإ إليهم بعين العناية ؟! فها نحن نطالب الدولة بإنشاء دور الرعاية المجهزة بأحدث التقنيات يقوم عليها أمهر المتخصصين في طب المسنين والاخصائيين الاجتماعيين تنطوي على كل مايلزم المسن ؛ لتكون بمثابة دور إقامة ومشفى على نفقتها من حصيلة دافعى الضرائب ، يذهب إليها كل من يرغب معززًا مكرمًا مع استمرارية الرقابة الفعالة على هذه الدور ، ومراجعة أسلوب التعامل مع روادها من المسنِّين ، ولاضير من الاستعانة بطاقات الشباب الراغب فى العمل فى هذا المجال والمساهمة فى تخفيض حجم البطالة التى تفتك بأحلام الشباب بإعدادهم للقيام بهذه المهمة ومساعدة المتخصصين في هذا المجال ، وبهذا نكون قد أصبنا عدة عصافير على شجرة مشاكلنا المجتمعية المتراكمة ، ونرفع عن كاهل الأسرة المصرية معاناة تحمُّل تكاليف الشيخوخة والعجز التى تقتطع أكثر من ثلث دخل الأسرة فى الإنفاق على الأدوية والعلاج .. لنكون بحق قد رددنا بعضًا من الدين لمن أعطونا رحيق شبابهم .. فرفقًا بكبارنا !

 

أ.د. إلهــام سيــف الدولــة حمــدان

أستاذ الدراسات اللغوية ـ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى