د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : إتحاد الملاَّك .. وثقافة التملك !

بالتأكيد .. نتفق جميعًا على أن الأسرة هي الخلية الأولى في تشكيل المجتمع؛ ليصبح مثل “عنقود العنب” المتماسك البنيان والقوة، وهذه القوة تستمد تماسكها وترابطها من الجذع الرئيس الذي تتفرع منه مايشبه الشجيرات الصغيرة التي تصنع الشكل النهائي لجمال هذا العنقود، والجذع الرئيس في عنقود المجتمع هو الدولة وأجهزتها السيادية القوية التي تحافظ بقوة على ألا تنفرط حبات هذا العنقود. وهذا لن يتأتى إلا باستصدار القوانين المنظمة للعلاقات الإجتماعية والمعاملات بين أفراده، مع الأخذ في الاعتبار أن استصدار القوانين ليس هو الهدف في حد ذاته؛ بل المتابعة الجادة الصارمة للتنفيذ هي غاية المراد ومربط الفرس؛ وحتى لاتكون حبرًا على ورق !
ولابد أن يعلم الجميع حكامٌ ومحكومون؛ أن المشاكل في المجتمع المصري ـ التي تمتليء بها محاضر الشرطة وتكتظ بها قاعات المحاكم ـ تبدأ من الإحتكاكات البسيطة بين الأفراد؛ جرّاء المعاملات اليومية في البيع والشراء والمرور والنظافة والصيانة؛ والقوانين العادلة التي يتم تطبيقها بصرامة دون تمييز على الجميع؛ تعمل على اكتساب حب الجماهير وقناعتهم بمباديء التعايش السلمي الملتزم بحق الجيرة والمحافظة على الوشائج التي تربطهم جميعًا؛ وهي أشياء لابد وأن تكون نابعة من ثقافة الذات المؤمنة بالقوانين غير المكتوبة؛ وهي العُرف والتقاليد المجتمعية السامية .
ولنأخذ لقطة سريعة من داخل المجتمع؛ نعدها مثالاً صارخًا لإرهاصات تلك المشكلات؛ التي تتفاقم وتكبُر سريعًا كـ “كرة الثلج”، وتنتهي بأطرافها في أروقة أقسام الشرطة، أو ساحات المحاكم، تاركة خلفها مساحة لانهائية من الكراهية والعداءات والتربص بين جيران البيت الواحد . فهناك مايسمى بـ ” اتحاد المُلاَّك ” أو ” اتحاد الشاغرين”؛ لتنظيم العلاقة بين السكان، ويضع التفاصيل الكاملة لكيفية التعامل مع مشكلات النظافة والترميم والصيانة، وكذا متابعة الصيانة للمصاعد المستخدمة فيه حفاظًا على الأرواح من كل الأخطار المحتملة . وهذا الإتحاد يتكون من كل شاغلي العقار؛ الذين يصبحون مثل الجمعية العمومية وهدفها الأساسي ضمان حُسن الانتفاع وحُسن إدارة وصيانة الأجزاء المشتركة في العقار محل السكن . والمتعارف عليه أن الإنفاق على الصيانة يتم عن طريق إنشاء”وديعة” خاصة بالعقار بأحد البنوك؛ يتم تمويلها بنسبة متساوية من شاغلي العقار بصفة دورية؛ بحسب المحدد لها في بنود الجمعية العمومية، وتتم متابعتها بمعرفة من يتم تعيينه كمراقب مالي يتمتع بالشفافية والثقة من الجميع؛ يتولى عمليات سداد فواتير الخدمات المشتركة مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي وصيانة المصاعد ـ إن وجدت ـ ، ويقوم بتقديم الميزانية السنوية التي توضح بالتفصيل بنود الموارد والإنفاق على مستلزمات العقار، ولكن ـ للأسف ـ فإن مايحدُث من تقاعس بعض الشاغلين عن السداد لحصته المقررة؛ يؤدي إلى توقف كل أعمال الصيانة والحراسة ورفع المخلفات وأعمال الترميمات المطلوبة، مع الأخذ في الاعتبار أهمية عمل بوليصة تأمين للعقار ضد أية مخاطر محتملة ـ لاقدر الله ـ مثل حريق أو سيول أو أية أمور طارئة آخرى .
فتبدأ على إثر ذلك سلسلة طويلة من المشاكل التي لاتنتهي غالبًا إلا على أوراق محاضر الشرطة لإثبات الحالة فقط ؛ وتقف الشرطة عاجزة عن إلزام المتقاعس عن السداد، تاركة الأمر لأعضاء الجمعية العمومية لما يتخذونه من قرارات ، وتحديد الخطوات التي يجب أن تتخذ لتطبيق قرارات الاتحاد؛ مع ضرورة أن يكون هناك هيئة رقابية تشرف على مجالس اتحاد الملاك لضمان سيرها في الطريق الصحيح .
والمؤكد أن الأمور لن تسيرعلى مايرام لزيادة التجانس والتلاحم في العلاقات الإنسانية بين جيران العقار الواحد؛ إلا بالتحلي بما يسمَّى “ثقافة التملك” والقناعة بمقرراتها ومحدداتها؛ والعمل على تنفيذ بنودها بكل القناعة والرضا، دون التقاعس عن التمويل الذي قد يخلق بعض الضغائن بين النفوس، وزيادة التباعد وانفصام العلاقات التي تحافظ على نسيج المجتمع ووحدته .
وهنا لابد من وقفة جادة لتفعيل القوانين واستصدراها من مجلس الشعب المختص بالتشريعات الضرورية لحماية المجتمع؛ والتدخل من أجل وضع الحلول للمشكلات التي تواجه السكان؛ وذلك عن طريق إنشاء مراكز صيانة معتمدة تابعة للدولة، سرعة إصدار أو تعديل بنود قوانين تنظيم العلاقة بين المالك والمستأجر، وضرورة أن تلزم الحكومة المالك أو إتحادهم المُشهر بأعمال الصيانة، وفرض عقوبة علي الأفراد ممن يتخلفون عن سداد تلك المستحقات. على أن تقوم الإدارات المحلية بتشكيل اتحادات للشاغلين جبريًا داخل الأحياء في حالة تقاعس السكان عن تشكيلها طبقا للقانون ،لأن العقار يولد بدوره حركة داخل الشارع المصري ويؤثر ويتأثر بالمجتمع المحيط، حيث يتحصل علي خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي من قبل الإدارات المحلية التابعة الأمر الذي يجعل إهمال إدارة العقارات بشكل جيد تقصيرًا تجاه المجتمع ككل .
نهيب بكل من يهمه أمر المجتمع وصلاحه وتماسكه؛ أن يحافظ على عدم انفراط حبات “عنقود العنب”؛ لأن انفراطه حبات سيؤدي بالضرورة إلى انهيار المنظومة المجتمعية السويَّة وتقاليدها العريقة التي عرفها العالم عن مصر المحروسة منذ فجر التاريخ، وعلى جدران المعابد يتم الرصد للأسر الفرعونية ؛ فيقولون الأسرة الخامسة والأسرة السادسة، فنحن من ترك للعالم تراثًا حضاريًا خالدًا على مر الأحقاب التاريخية .. فلا تبددوه على أوراق محاضر أقسام الشرطة وقاعات المحاكم .
أستاذ العلوم اللغوية ــ أكاديمية الفنون





