مقالات

د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : اللقطة الأمريكاني ،،والانتخابات!!

طُرفة شائعة بين الشباب المصري ـ وحتى المسنين ـ حين يكونون في تجمعات؛ ويلمع “فلاش” كاميرا أحدهم لالتقاط صورة تذكارية، أن يتهكموا على المصوّر: إياك وأن تكون اللقطة أمريكاني !! والمقصود بتلك الطُرفة أن تكون مجرد فرقعة ضوئية لاتسجل حدثًا ولا يحزنون !! كناية عما تحدثه أمريكا في العالم والبشرية؛ منذ نشأت على جثث الهنود الحمر سكان القارة الأصليين؛وقامت بتقليص عددهم ـ بالشنق والذبح والحرق ـ من 150 مليون نسمة إلى 5 ملايين؛ قاموا بتسخيرهم لخدمة السادة أصحاب البشرة البيضاء والقلوب السوداء .. وليت الرحالة الإيطالي الشهير “كريستوفركولومبوس” لم يكتشف تلك القارة التي طعنت البشرية وكرامتها في مقتل !!

 

وما نسمعه ونشاهده الآن من فرقعة وأضواء إعلامية؛ تحيط بالمشهد الدراماتيكي في انتخابات الرئاسة الأمريكية؛ واندفاع الأقلام في أعمدة الصحف المصرية والعربية بالتهليل والتكبير لنتائج لعبة الانتخابات بالهزيمة لهذا والانتصار لذاك، حتى تشعر بأن أصحاب هذه الأقلام ملكيون أكثر من الملك! فلا اختفاء”أوباما” و”كلينتون” من على مسرح الأحداث؛ ولا صدارة المشهد لهذا الـ “ترامب” .. سيضع النهاية للربيع العربي الدموي الذي عاصرناه وشاهدناه على الطبيعة وعلى الشاشات في الـ “ألفي ليلة وليلة” المنصرمة؛ من مشاهد الذبح والقتل والحرق والهدم والتشريد للملايين من الأبرياء؛ الذين أجبروا على الرحيل من أوطانهم تحت هجير الشمس المُحرقة وسيول الأمطار والعواصف في الصحارى الجرداء؛ لإعادة ترسيم مايسمّى بالشرق الأوسط الجديد، والمثير للدهشة أن يعود “القاتل” في تمثيلية قميئة مضحكة؛ ليمنحهم الخيام والأغطية والغذاء والدواء؛ ولكن بعد أن يكون قد قام بمنتهى الخسة والندالة بتجريدهم من إنسانيتهم وكرامتهم .. وأوطانهم !

 

وقديمًا قال “ونستون تشرشل”: السياسة لغة الفقير!؛ ولكن الشعب الأمريكي “الغني” لاتعنيه تلك المقولة؛ ولا يهمُّه من قريب أو من بعيد (لَـوْ) “شالوا “ألدُو” أو جابوا “شاهين” ! ولكن مايعنيه دائمًا وشغله الشاغل؛ هو حريته الكاملة ـ المُحرَّمة علينا في أعرافهم ـ في تطبيق”الديمقراطية” في أبهى صورها في تذكرة الإنتخاب؛ والدفع بمن يريده نحو قمة هرم الحكم في أكبر دولة في عالمنا المعاصر؛ حتى إن كان البيت الأبيض يقف بكل ثقله وأجهزته الإعلامية والمخابراتية؛ خلف مااعتبرها “الوريثة الشرعية” للعرش الأمريكي؛ بحكم ماكان لها ـ في سالف العصر والأوان ـ من خبرة عن زوايا وخبايا هذا البيت سابقًا، أيام كان الرئيس الزوج ـ”صديق مونيكا”ـ يتربع ويتمطى على سدة الرئاسة . كما خُدعنا جميعًا بالأمس القريب؛ ب”أوباما حسين” الذي تقمص شخصية التقي الورع على منصة جامعة القاهرة ـ والحمد لله أنه لم يقفز على منبر الجامع الأزهر ـ وبادرنا باللكنة المتعجرفة الأمريكية بالحروف العربية : السلام عليكم، واكتشفنا انه كان يقصد: الوبال عليكم .. وعلى أمتكم الضعيفة المستكنَّة الخانعة !

 

والمثير للدهشة في هذه اللعبة “الأمريكاني” أن ( ن ) النسوة بكامل هيئتها في كل الولايات الأمريكية؛ كانت غائبة عن المشهد في بصمة الورقة الإنتخابية؛ ولم تعط الصوت الإنتخابي لواحدة من بني جنسها؛ ربما للقناعة عن أنها لاتصلح للرئاسة، أو للتركيبة النفسية ـ أو النفسنة ـ التي تؤمن بأن “عدوَّك ابن كارك” كما يقول المثل الشعبي المصري العبقري؛ ولكن .. الحمد لله أن غابت (ن ) النسوة عن المشهد .. فسقطت هذا السقوط المروع والمدوي؛ هذه المرأة التي خططت وهي في موقع وزيرة الخارجية في العصر “الأوبامي” لتفتيت وخراب الخريطة العربية .

 

نعود فنقول أن هذه الديمقراطية التي يمارسها الشعب الأمريكي؛ هي الحسنة الوحيدة التي يجب أن نخرج بها من لعبة الإنتخابات “الأمريكاني”؛ والتي يجب أن تعتنقها وتتعلمها الصفوة النخبوية في عالمنا الثالث، الذي لا يريد منظروه من حملة المباخر في مقدمة المواكب وضيوف الشاشات الحنجورية؛ أن يعترفوا بأن “خلف كل قيصرٍ يموت .. قيصرٌ جديد”؛ وبخاصة في عالم الغرب الأمريكاني ومن هُم على شاكلته في سياسة دهس الضعفاء والمستضعفين في الأرض .

 

وفي الحقيقة؛ فإن كل مايهمنا في هذه “الهيصة”؛ وكأننا في “فرح ابن العمدة” لقرية صغيرة تقبع على شط النيل السعيد في أقاصي الصعيد؛ هو: ماذا يحمل هذا الرجل في جعبته تجاه مصر والعالم العربي ؟

 

يذكرالمحللون السياسيون أن شعورًا بالصدمة ضرب الولايات الأمريكية بسبب فوز ترامب، وأن شعبية كلينتون كانت أعلى؛ والعملية الحسابية التي تترجم هذه الشعبية إلى أصوات في المجمع الإنتخابي أدت إلى وصوله للرئاسة؛ وأنه غير مهتم بمساعدة حركات ديمقراطية في الشرق الأوسط، ولهذا ستكون الأنظمة الحاكمة مرتاحة له، وفي هذا السياق يريد التحالف أو التفاهم على الأقل مع روسيا بخصوص سوريا، وسيشارك في ضرب الإرهاب، ولكنه الإرهاب الذي يحدده بوتين وبشار الأسد وليس سائر العالم . ونحن العرب سنجلس القرفصاء لننتظر وننتظر، ونترحم على الشاعر/نزار قباني منذ عشرات السنين؛ والتي نبهنا فيها إلى أوضاعنا الحقيقة حين قال: السرُّ في مأساتنا/صراخنا أضخمُ من أصواتنا/وسيفُنا أطولُ من قاماتنا/لا تلعنوا السماءْ/إذا تخلّت عنكمُ../لا تلعنوا الظروفْ فالله يؤتي النصرَ من يشاء/ وليس حدّاداً لديكُم.. يصنعُ السيُوفْ !!

 

ترى .. هل ستظل رقابنا رهينة في قبضة الحداد الذي يصنع السيوف؟ وهل وصلت الصورة ؟ أم أن الإضاءة الكاشفة على الأحداث ومجرياتها ؛ ستجعل الذين لايوافقوننا الرأي .. يصفونها بأنها مجرد ” لقطة أمريكاني” !!

 

أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى