د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : حرية الرأي .. ما المعيار ؟

قد يُقصد بحرية الرأي الانطلاق في التعبيرعن الأفكار والآراء عن طريق التخاطب المباشر، أو الكتابة للأعمال الفنية والإبداعية من مقال ورواية وشعرورسم ومسرح وسينما دون رقابة أو قيود، ولا يحكمها إلا رقابة الضميرالسوي المتسق مع توجهات المجتمع اقتصاديًا وسياسيًا؛ بمشروطيات تمنع تمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن أن يُعد خرقًا لقوانين وأعراف الدولة التي سمحت بحرية التعبير، ويصاحب هذه الحرية غالبًا بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية العقيدة أوالصحافة أوالتظاهرات السلمية …إلخ .
فهي تُعد من القضايا الشائكة والحساسة؛ وبخاصة في مجموعة دول مايسمَّى بالعالم الثالث؛ إذ أن الحدود التي ترسمها الدول المانحة لهذه الحرية قد تتغيروفقًا للظروف الأمنية والتركيبة السكانية التي تشتمل على العرقيات والعصبيات والطوائف والديانات المختلفة التي تعيش في كنف الدولة وتحت جناحها، وأحيانًا قد تلعب ظروف خارج نطاق الدولة دورًا في تغيير حدود تلك الحريات .
ولأن البشرية دائمة البحث عن إقرارلحرية التعبيرفي مجال الصحافة؛ لذا تم اختيار الثالث من مايو لإحياء ذكرى اعتماد إعلان “ويندهوك” التاريخي خلال اجتماع للصحافيين الأفريقيين نظّمته اليونسكو وعُقِد في ناميبيا في 3 مايو 1991، وينص الإعلان على أنّه ” لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا من خلال ضمان بيئة إعلامية حرّة ومستقلّة وقائمة على التعدّدية”، وهذا شرط مسبَّق لضمان أمن الصحافيين أثناء تأدية مهامهم، ولكفالة التحقيق في الجرائم ضد حرية الصحافة تحقيقًا سريعًا ودقيقًا. ويمثل هذا اليوم فرصة للاحتفاء بالمباديء الأساسية لحرية الصحافة؛ وتقييم حال مساحة الحرية لديها في كل أنحاء العالم؛ والدفاع عن وسائط الإعلام أمام الهجمات التي تشن على حريتها؛ والإشادة بالصحافيين والمراسلين الذين فقدوا أرواحهم أثناء أداء واجبهم .
ويُتَّخذ هذا اليوم مناسبة لتذكيرالحكومات بضرورة احترام إلتزامها بهذه الحرية، ومناسبة أيضا لتأمل قوافل وسائل الإعلام في قضيتَيْ حرية الصحافة وأخلاقيات المهنة، وقد رُكِّزفي هذا اليوم العالمي عام 2016 على الحق في الوصول للمعلومات والحصول على الحريات الأساسيّة ؛والتركيزعلى حرية المعلومات والتنمية المستدامة، وحماية حرية الإعلام من الرقابة المفرطة وضمان سلامة الصحافيين في الإعلام المكتوب والإلكتروني على حدّ سواء .
هذه بانوراما سريعة لاستعراض الصراع على إقرار حرية الرأي والتعبيرعالميًا، ولكن ما بالنا بالساحة المصرية التي يهمنا أمرها في المقام الأول؛ خاصة في ظل ماتشهده مصر من برامج تعمل على التحريض بالإتكاء على بعض مايعانيه المواطن من بعض المشكلات هنا وهناك، ويتم كل ذلك تحت ستارحرية الإعلام لجذب المشاهدين؛ للحصول على أكبرنسبة مشاهدة بمصاحبة الإعلانات عن أي شيء وكل شيء؛ سعداء بما تصبه آلة الإعلام الجهنمية في جيوبهم من ملايين الدولارات؛ ضاربين عرض الحائط بالمصلحة القومية العليا للبلاد؛ برغم معلومية الجميع أن الوطن يخوض حالة حرب حقيقية مع أعداء الداخل والخارج .
إن الحرية اللامحدودة وغيرالمؤطرة بقوانين حاكمة وأعراف ملزمة دون ضوابط في ظل هذه الهجمات الشرسة واستهداف عناصر الجيش والشرطة وحالة الحرب المُعاشة؛ هي نوع ٌمن الفوضى التي يجب أن تحكمها الدولة بأجهزتها الأمنية بقبضتها الحديدية؛ للحفاظ على مكتسبات الشعب من خطط الإصلاح التي تنتهجها بجديَّة لإعادة بناء البنية التحتية لخدمة الاقتصاد والسياسة والمجتمع، فنحن لانطالب بإحكام القبضة الخانقة لتصل إلى نوع ٍمن أنواع الدكتاتورية في أي صورة من صورها؛ ونرفض الحرية المطلقة بلا سقف من المعاييرالأخلاقية والإنسانية والوطنية؛ لأن الحرية المنفلتة تجرد الإنسان من رتبته الإنسانية، فهل يمكن أن تشكل الحرية مبررًا للتآمروالإفساد مثلاً ؟! لهذا فإننا نهدف وندعو إلى ضرورة إحكام القبضة بمعنى تعميم الإلزام والالتزام بشرف الكلمة وأخلاقيات المهنة؛ دون العمل على إثارة التوتروالقلق داخل المجتمع تحت مسمَّى الحرية الإعلامية المزعومة، وهذا يستلزم إقرارالمعاييرالتي تحقق الأمن عصب الاستقرارالإقتصادي؛ وبوابة جلب الاستثمارات الخارجية بلا خوف من المغامرة برأس المال، الأمر الذي سينعكس بالضرورة على رفاهية الفرد والمجتمع والدولة .
إن حرية التعبيرلابد أن يعرف ممارسوها أن علاقة الفرد بالمجتمع هي علاقة مباشرة تفرض عليه المشاركة بالرأي مع عدم الإخلال بالأمن والسلم والنظام، وعدم تحريض العامة أو التشكيك في نزاهة الحكم والسلطة الحاكمة بمبررأو بغير مبرر، وعدم الخلط بين الحق في حرية التعبيروالتجاوزغيرالمقبول؛ الذي يؤدي إلى الإحتقان والكراهية وتأجيج جذوة الصراع داخل المجتمع، وليكن الفيصل والبقاء للمعارضة البناءة المعطاء لكل مايهدف إلى الخير للوطن : تضاريس وبشرًا .
وفي محاولة لشرح وتقنين أبعاد الحرية الملتزمة والمهذبة؛ نستشهد بلقطة رائعة بين سيدنا موسى ورب العزة بالحديث الذي دار في الوادي المقدس بعدما وجد موسى على النار هُدى .. بسم الله الرحمن الرحيم “فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ صدق الله العظيم ـ طه 12 ـ11؛ وهُنا أراد الله أن يعلمنا كيف تكون الحرية الملتزمة مع الأدب، وعدم استغلال منحه الحرية في التخاطب ليكون كليم الله؛ حتى ينسى نفسه وبشريته ولا يلتزم بالحدود التي منحه الله إياها؛ وليعلم أن الحرية لها حدود وسقف والتزام أدبي وأخلاقي .
هذه دعوة لنا جميعًا لاحترام المعاييرالأخلاقية في استخدام حق حرية الرأي والتعبير؛ دون قهرأو دكتاتورية ، ولتكن القوانين هي الحكم والفيصل؛ ليظل ميثاق الشرف هو المعيار .
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون





