د. إلهام سيف الدولة حمدان تكتب لـ الأنباء نيوز : مشكلة النوبة .. لمصلحة مَنْ ؟

إن الطفل المشاغب الذي يجلس على شاطيء النهر؛ ليلقي بالحصوات في الماء كي ينتشي بمشاهدة منظرالدوائرالمتتابعة المتداخلة التي تثيرها هذه الحصوات، وكلما هدأت حركة الماء وتلاشت الدوائر؛عاود المحاولة تلو الأخرى في عبثٍ صبياني ساذج؛ لا لشيء يجنيه من خلف هذا العبث سوى الاستمتاع بمشاهد القلاقل والتوترفي حركة الماء المستوية الهادئة .
هذا هو ماآلت إليه أحوال المجتمع المصري الآن؛ الذي بات لايخلو من هذا العبث الصبياني غير المسئول من ثلة عابثة مارقة؛ لاتريد لنهر المجتمع أن ينساب بهدوء في مجراه الآمن نحو المصب في آفاق المستقبل؛ دون إثارة دوائر القلق والتوتر. ويقيني أنه تشبيه ـ مع الفارق ـ لحالنا في المرحلة الخطيرة الآنية التي نمربها، ولكني لم أجد وصفًا دقيقًا لما يحدث حولنا؛ سوى هذا المثال الصارخ الذي يعكس بأمانة وبموضوعية صورتنا في مرآة المجتمع المصري والعربي والدولي!
فلنرصد الحصوات التي ألقيت في مجرى النهر؛ بدءًا من أزمة القمح صانع رغيف الحياة، إلى فجيعة المتاجرة بألبان الأطفال وحياتهم، إلى المؤامرة على محصول الأرز قوت الشعب، إلى السُّكَّر إكسير حياة المصريين الفقراء والأغنياء، إلى التحكم في الدواء والأجهزة الطبية صناعة وتجارة وسعرًا، وتجيء الصفعة الكبرى مؤخرًا ـ وبالتأكيد ليست بالأخيرة ـ بوضع الملح على الجُرح القديم لأهالي النوبة ومشكلة أراضيهم؛ وهي الأراضي التي غمرتها مياه السد العالي ـ للمصلحة القومية ـ في ستينيات القرن الماضي، وكأن هؤلاء الصبية العابثين يريدون لنا أن نتعثرمن حفرة لأخرى إلى منحدرسحيق لانعلم إلى أين سينتهي بنا ؟!
ولانشيرهُنا بأصابع الإتهام إلى أحدٍ بعينه إلا بالبينة؛ ولن ننساق وراء الخطوط البيانية المتعرجة صعودًا وهبوطًا “مع” أو “ضد”؛ حتى تتضح النوايا من هذا وذاك، وديدننا هو الوصول إلى الحقيقة المنصفة للشعب المصري الملقب بـ “أيوب العالم” ! وكأن هذا الشعب يبعث كل ليلةٍ وضحاها برسائل كشكاوى الفلاح الفصيح إلى الفرعون في غابر الزمان؛ ومذ بدأ بصُنع حضارته ـ بالسُّخرة ـ على ضفتي النيل العملاق . وإذا كان الفرنسيون يطلقون عبارتهم الشهيرة : “فتِّش عن المرأة” خلف كل حدث جلل؛ وينسبون إليها ظلمًا أو إنصافًا ماتؤول إليه النتائج؛ فإنني أقول : فتش عن المستفيد من تلك القلاقل .. لتصل إلى الفاعل المثير لدوائر القلق المتتالية في مجتمعنا المصري !
ولست بصدد أن أكون الحكَمْ والفيصل في قضايا تخص الجهات السيادية في الدولة؛ ولكني أشيرفقط إلى مجموعات إثارة القلاقل والفتن في المجتمع؛ فالدولة كفيلة بتحقيق أمنها وأمانها، ولا يغيب عن عينيها تلك الشراذم التي تقوم ببيع ضمائرها لمن يدفع لتنفيذ أجندات توسعية على حساب الوطن؛ ولتكون كلمتي إلى جموع شعبنا الذي يصنع التاريخ في كل زمان؛ ليكون على بيِّنة باستمرارمن تلك الألاعيب؛ ونشير بإصبع التحذير لنكون على يقظة مستمرة من مثيري القلاقل لإيقاف المسيرة التنموية الجادة .
ولنأخذ ـ كمثال ـ مشكلة أهل النوبة التي بدأت منذ العام 1841م؛ حين صدر فرمان بترسيم الحدود المصرية بوصفها ولاية عثمانية ـ آنذاك ـ بعد حصارالجيش المصري فى الأستانة، فتم تقسيم الحدود الجنوبية لتقسم منطقة النوبة قسمين: قسم يقع فى الدولة المصرية؛ والقسم الثاني في السودان؛ وفي سنة 1899م تم تعديل الحدود مرة ثانية تحت اسم “اتفاقية الحكم الثنائي”، وتمت بين حكومتي بريطانيا ومصر، وبمقتضى التعديل تم تحول بعض القرى من مصرية إلى سودانية، وقامت الحكومة المصرية بإلغاء اسم “مديرية النوبة” وضم ما تبقى من قرى نوبية إلى “مديرية أسوان”؛ وفي خلال الفترة من 1902 إلى عام 1933 قامت بريطانيا ببناء “خزان أسوان” على ثلاث مراحل، للاستفادة من مياه الفيضان وتخزين أجزاء منها، والذى أدى إلى تخزين مياه النيل بارتفاع يصل إلى 121 متر مما تسبب في إغراق ما يصل إلى 28 قرية نوبية خلال هذه الفترة؛ وفي العام 1962 قررجمال عبد الناصر بناء السد العالي بهدف تخزين المياه حتي منسوب 182 متر للاستفادة من كل مياه الفيضان لاستخدامها في الزراعة طوال السنة وتوصيل مياه الشرب للمواطنين وتوليد الكهرباء اللازمة، وحماية للقرى النوبية من خطورة الفيضان . وارتضي النوبيون بهذه الحلول لمصلحتهم وللمصلحة القومية العامة؛ ولقيام المجتمع المدني لأهل النوبة بدلاً من الشتات في المناطق التي يهددها ارتفاع فيضان النيل كل عام، وتمت عملية التهجير؛ وشيدت البيوت للأهالي مع منح التعويضات المناسبة لكل أسرة؛ ومنح الاستقرار لهذه الأسرإلى يومنا هذا .
ولا نعرف لماذا أثيرت هذه المشكلة في هذا التوقيت تحديدًا .. ولمصلحة من ؟! إنها المؤامرة الكبرى التي تهدف إلى ضرب الاستقرارالمأمول لمسيرة القيادة الوطنية؛ وشغلنا عن المواجهة مع أعداء الداخل والخارج؛ ومحاولة استدراج مصرإلى مناطق الصراع الدائرفي منطقتنا العربية التي تمور بالصراعات منذ سنوات لتنفيذ الأحلام الاستعمارية القديمة.
ولكن هيهات .. فستظل مصرنا كما عهدناها على طول التاريخ؛ الملجأ والملاذ لكل الشرفاء الطامحين للحرية والبناء ؛ والنموذج المُحتذى للسائرين على درب الحرية والكرامة؛ وليذهب المشاغبون مثيرو القلاقل والمتاعب إلى قائمة النسيان .
أستاذ العلوم اللغوية ـ أكاديمية الفنون






الأستاذ الدكتور/إلهام سيف الدولة حمدان
يالروعة هذا العرض التاريخي ؛ الذي يُعد بمثابة بانوراما شاملة لكل جوانب هذا الموضوع الشائك، للتدليل على أن الأهداف النبيلة كانت هي الغاية لإنقاذ “النوبة” وأهلها جذور وبناة الحضارة المصرية القديمة؛ وأهلها الشرفاء مازالوا على العهد والميثاق بكل القناعة ؛ ولن تستثيرهم تلك السموم التي ينفثها أعداء الإنسانية والأوطان . ودائمًا ماتكون سهامك في كبد الحقيقة لتتضح الرؤية وتنكشف سحيبات الغبار، وتهدأ دوائر القلق والتوتر في نهر حياتنا الصافي المعطاء على مر العصور .
تحياتي واحترامي لكل ماتجود به قريحتك من إضاءة واعية على الكثير من جوانب حياتنا وواقعنا على الساحة السياسية والاجتماعية المصرية .